فكلما ازداد عدد مصادر الاتصال، ازداد بطبيعة الحال رصيد التوجهات والمثيرات الإعلامية، إلا أن النتيجة واحدة في النهاية، سواء توافرت هذه المصادر بصورة سخية أو زهيدة. فالمادة الترفيهية، والأخبار والمعلومات العامة، والتوجهات، والأفكار يجري انتقاؤها جميعا من الإطار المرجعي الإعلامي نفسه من جانب «حراس» للبوابة الإعلامية، تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها، وقد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي، لكن الجوهر واحد.
ومع ذلك فإن شرط التعددية الاتصالية هذا، والخالي تماما من أي تنوع حقيقي، هو الذي يوفر أسباب القوة للنظام السائد لتعليب الوعي. فالفيض الإعلامي المتدفق عبر العديد من القنوات يخلق الثقة في، ويضفي المصداقية على فكرة الاختيار الإعلامي الحر، في الوقت الذي يتمثل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم. كذلك تحيط مثيرات مشابهة مصدرها ذلك التنوع الظاهري للمصادر المستمع، والمشاهد، والقارئ بجو من الأفكار والصور يتبدى عادة كما لو كان تلقائيا، وكما لو كان حرا نسبيا وطبيعيا تماما، وكيف يمكن أن يختلف الوضع مع هذه الوفرة الهائلة من البرامج وأجهزة الإرسال؟ إن استهداف الربح (الغرض الأساسي للتكتلات المالكة لوسائل الاتصال) ، وعلى رغم أنه يمثل حقيقة واقعة ومحددة نهائيا، يظل تجريدا غير ملموس بالنسبة لمستهلكي الصور المختلفة للإنتاج الثقافي. ففي هذا الصدد هناك حقيقة واحدة مؤكدة، هي أن أجهزة الإعلام لا تلفت أنظار جمهورها لوجودها أو لأسلوب عملها.
وقد لاحظ جورج جيريتر، في مقال له بمجلة «سينتفيك أمريكان» ، أن السؤال الحقيقي لا يتمثل فيما إذا كانت أدوات الاتصال الجماهيري حرة أم لا، وإنما يتمثل في كيف، ولأي هدف، وعن طريق من وبأي نتائج مترتبة تتم ممارسة عمليات التوجيه والسيطرة التي لا محيد عنها؟.
وفي محاولة للبحث فيما وراء المظهر الخارجي لحرية الاختيار، ركز محرر التلفزيون بمجلة «فاريتي، اهتمامه على قضيتين من هذه القضايا الأساسية: «من بين الأساطير الشائعة عن التلفزيون الأمريكي تلك الأسطورة القائلة إنه يعمل بوصفه ديموقراطية ثقافية، تستجيب كلية الإرادة الأغلبية المشاهدة فيما يتعلق باستمرار برامج معينة، واختفاء برامج أخرى. والأدق