صحيح أن التآمر والمتآمرين لهم وجودهم المؤثر في الحقل الاجتماعي (وإلا فبماذا نفسر التنصت على مقر الحزب الديموقراطي عام 1972؟) ومع ذلك فإن هذه الأنشطة سواء أكانت كبيرة أم صغيرة، تم الكشف عنها أم لاتزال سرية يمكن تفسيرها في إطار الحقائق الأعمق للواقع الاجتماعي.
فلم تكن هناك لجنة على سبيل المثال لوضع توجيهات سرية من أجل ترويض الشعب الأمريكي وبرمجته، بالرغم من أن إدارة نيکسون بذلت أقصى جهدها لتحقيق هذه الغاية. والواقع أن العملية أكثر التباسا وأبعد تأثيرا نظرا، لأنها تجري دون توجيه مركزي. إنها متأصلة في تدابير اجتماعية اقتصادية أساسية وغير مطروحة للنقاش تحدد في البداية، ثم تتعزز من خلال الملكية الخاصة وتقسيم العمل والتمييز بين الجنسين وتنظيم الإنتاج وتوزيع الدخل، وتنطوي هذه الترتيبات، التي أسست وأضفي عليها
طابع الشرعية خلال فترة طويلة من الزمن، على دينامياتها الخاصة كما تنتج أيضا «حتمياتها الخاصة
ولقد حاولت، في هذا الكتاب، أن أدرس هذه الحتميات، وأن أطرح مشروعيتها للنقاش، على أن ما حاولت الاضطلاع به يتطلب، حتى يتم بصورة مكتملة ومتماسكة، موارد من الطاقة والوقت والمهارة تتعدى إمكانات الفرد الواحد (أو على الأقل إمكانات هذا الفرد المعني) . وبالتالي فإن الغرض المتوخى من هذا الكتاب هو أن يقدم مخططا إجماليا فحسب، أو تناولا قابلا للتطبيق، يمكن من خلاله دراسة عمليات جمع ونشر المعلومات على نحو نقدي وفهم وظائفها الأكثر أساسية، بصورة تتناقض مع ما يزعمون آنها تفعله،
وهناك اعتبار آخر لعب دورا في هذا الكتاب هو الاعتراف بأن دراسة وسائل الاتصال في الولايات المتحدة، تمثل موضوعا بالغ الأهمية بالنسبة للمجتمع العالمي، ولا يتمثل السبب في ذلك الاهتمام في مجرد الفضول الشديد لمعرفة أحوال هذا البلد، بل يتمثل أيضا في القضايا الحيوية التي يثيرها هذا النظام فيما يتعلق بالسيادة الوطنية للشعوب الأخرى، بل واستمرار بقائها أيضا. فثقافة أمريكا الشمالية يجري تصديرها عالميا. وقد أصبحت بالفعل النموذج السائد في أماكن عديدة خارج الولايات المتحدة. ويمثل الإعلان عن وصول البيبسي كولا للاتحاد السوفييتي آخر «أعراض»