الصفحة 16 من 242

الوسطى. إذ تضاف دائما أعداد جديدة من المهيمنين الجدد، كما أن توزيع الأدوار بين الحكام والمحكومين يمكن أن يتغير، بل يتغير بالفعل، على رغم أن ذلك لا يتم بطبيعة الحال بانقلاب ثوري مباغت. ونتيجة لذلك فقد يصبح متلقو الأوامر فيما سبق مصدرين للأوامر. كذلك قد يجد بعض الخاضعين للتضليل الإعلامي أنفسهم وقد تحولوا إلى ممارسين لهذا التضليل، لكن لاحظ أيضا أن ذلك ممكن الحدوث حتى في البنية الاجتماعية الساكنة (الأستاتيكية) حيث تتوازن مع التحولات الحادثة في اتجاه معين تغيرات تسلك الاتجاه المضاد.

والواقع أن التقسيم الثابت للمجتمع إلى فئتين عريضتين من الرابحين» و الخاسرين»، إنما ينشأ وتتوافر له عوامل الاستمرار نتيجة للحفاظ على نظام التملك الخاص للملكيات المنتجة والاعتراف به، بل وتقديس هذا النظام، وامتداد مبدأ التملك الخاص لجميع أوجه الوجود الإنساني الأخرى. ويؤدي القبول العام بتطبيق هذا التنظيم على النشاط الاجتماعي، لا محالة، إلى أن يحقق البعض نجاحا اقتصاديا، ثم إلى تعزيزهم لنجاحهم، وأخيرا إلى انضمامهم إلى المتحكمين في تشكيل وصياغة الحياة الاجتماعية. ويظل الآخرون، أي الأغلبية، يمارسون أعمالهم بوصفهم ممتثلين لا أكثر، وبوصفهم محرومين ومضللين ... وهم يتعرضون (أو يتم إخضاعهم للتضليل الإعلامي على وجه التحديد، من أجل الاستمرار في المشاركة (إن لم يكن بإخلاص تام فعلى الأقل بصورة إيجابية في روتين الحياة اليومية المقرر. ويقدم النظام لهم مقابلا يكفي لاكتساب بعض مزايا الوضع الاقتصادي المقبول، في الوقت الذي يؤدي بهم التضليل الإعلامي إلى أن يراودهم الأمل في إمكان تحويل هذا الروتين الحياتي اليومي، إلى امتياز شخصي أكبر لأنفسهم ولأطفالهم.

وليس من المستغرب أن يبلغ التضليل الإعلامي بوصفه أداة للهيمنة أعلى درجات تطوره في الولايات المتحدة. ففي أمريكا، أكثر من أي مكان آخر، تتيح الظروف المواتية التي عرضنا لها باختصار فيما سبق، الفرصة أمام قسم كبير من السكان للإفلات من القمع الشامل، ومن ثم يصبحون عناصر فعالة (من الوجهة الإمكانية في العملية التاريخية. ذلك أن التضليل الإعلامي يسمح بالمظهر الخارجي للانخراط النشط، بينما يحول دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت