وبالإضافة إلى تكنولوجيا الذرة والاتصالات، فإن التغيرات الاجتماعية داخل الديمقراطيات الكبيرة قد زادت أيضأ تكاليف استخدام القوة العسكرية. فديمقراطيات ما بعد التصنيع ترتكز على الرفاهية بدلا من المجد، كما أنها تكره الإصابات الكثيرة. وليس معنى ذلك أنها لن تستخدم القوة، حتى عندما تكون الإصابات متوقعة - وتشهد على ذلك حالة كل من بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة في حرب الخليج عام 1991، وبريطانيا والولايات المتحدة في حربها على العراق عام 2003. ولكن غياب أخلاق المحاربين في الديمقراطيات الحديثة يعني أن استخدام القوة يتطلب تبرير أخلاقية منفصلا بأحكام متقن لضمان التأييد الشعبي، إلا إذا كان البقاء الحقيقي مهددة بالخطر. وبالنسبة للديمقراطيات المتقدمة، تبقي الحرب ممكنة، ولكنها تلقى قبولا أقل بكثير مما كان عليه الحال قبل قرن، أو حتى نصف قرن مضى (28) .
ذلك أن أقوى الدول قد فقدت كثيرة من شهوة الغزو (29) .
ولقد أشار روبرت كانمان بحق إلى أن هذه التغييرات الاجتماعية قد ذهبت في أوروبا إلى أبعد مما ذهبت إليه في الولايات المتحدة، رغم أن عبارته الذكية تبسط الفوارق أكثر من اللازم عند قوله إن الأميركيين من المريخ [إله الحرب في أساطير الرومان] ، والأوروبيين من الزهرة [آلهة الحب والجمال في أساطير الرومان كذلك (30) ذلك أن الأوروبيين رغم كل شيء قد شاركوا في الضغط من أجل استخدام القوة في كوسوفو عام 1999. وأظهرت الحرب على العراق أن هناك أوروبيين من المريخ وأميركيين يفضلون الزهرة. مع ذلك فإن نجاح البلدان الأوروبية في خلق جزيرة من السلام على قارتهم التي خربتها الحروب الفرنسية - الألمانية في أقل من قرن قد يجعلهم ميالين إلى حلول الصراعات أكثر جنوحة إلى السلم.