فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 295

الأمر إلى تطورين مهمين، أولهما أن شبكة من المنظمات متعددة الأطراف قد ظهرت إلى حيز الوجود تمتد من الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة حتى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارية العالمية ووكالة الطاقة الذرية، ولجنة بازل للإشراف البنكي، ومنظمة الصحة العالمية على سبيل المثال لا الحصر، ولقد تمخض عن هذه المنظمات نظم مهمة لما يطلق عليه الحوكمة الدولية، ولكي يحدث هذا كان على حكومات الدول أن تختار دائمآ - من خلال العمليات التشريعية أو التنفيذية السياسية الداخلية - أن تعهد ببعض أنماط أو عناصر سيادتها وسلطتها في الحكم إلى كيانات أخرى، وقد اتخذ هذا الأمر التشريعي عدد من الأشكال، فمثلا على الجانب الأمني توافق الدول من خلال توقيع ميثاق الأمم المتحدة على أن تلتزم بالقواعد التي تنظم حقها في القيام بعملي عسکري - نظرية على الأقل، ولعل أكثر عناصر الحوكمة الدولية شيوعا تكمن في خلق کيانات تضع الأسلوب الذي تتشكل به الأسواق العالمية من خلال وضع المعايير التي تتخذ القوى الفاعلة من خلالها القرارات اللازمة وتضع مصفوفات التحفيز للقوى الفاعلة في تلك الأسواق ويشار إلى أن هذه الكيانات المؤسسية و"قواعد اللعبة"تؤطر لآفاق القرارات التي يتخذها اللاعبون في السوق العالمية فعلي سبيل المثال، اختارت الدول - جراء توقيع معاهدة مراكش في عام 1994 أن تعهد إلى منظمة التجارة العالمية بسلطة دفع العملية المتواصلة للمفاوضات التجارية قدمة من أجل إحداث نوع خاص من السوق الحرة الجديدة في التجارة الدولية للبضائع والخدمات، حيث منحت منظمة التجارة العالمية سلطة التوسط لإزالة أية خلافات بين الدول ذات السيادة بشأن التجارة أي أن تقضي في النزاعات وتسويها من خلال هيئة عليا لتسوية النزاعات غير تابعة للدول تعتبر قراراتها ملزمة لكل حكومات الدول الأعضاء.

ينبثق التطور الثاني من التطور الأول، وكما سبقت الإشارة في الفصل السابق، فإن المنظمات متعددة الأطراف التي نشأت لكي تعمل كقنوات دبلوماسية قد أصبحت جهات فاعلة بالنسبة لحكومات الدول التي يجب أن تدخل في عملية تمثيل واتصال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت