الصفحة 162 من 168

للسلطات النظامية. وهكذا يجري تأجيل قضية الجهاد والتحرير عملية إلى أمد غير مسمى، ويتخذ من الهزائم والمصائب والانتكاسات العامة حجة على الشعب ومجموع أفراده. ويجري تدجين المسلمين - بهذا الاسلوب ? لتقبل الهزائم بوصفها عقوبات عادلة لأخطائهم وانحرافاتهم. وينصب النقد والتقريع على المظاهر الجزئية الخارجية دون الاسباب العميقة والاطار الاجتماعي العام الذي أفرز هذه المظاهر، ولابد أن يفرز غيرها طالما بقي مستمرة.

إن النتيجة النفسية التي يصل اليها هذا الأسلوب متعددة الجوانب والمظاهر في سلبيتها اذ يصرف الاهتمام عن ميدان المعركة الموضوعي الواسع الذي يشتمل في اطاره على كل الجزئيات، وعوضا عن ذلك يحصر ميدان المعركة بكل عناصره المتضاربة في ذات الفرد ونفسيته، فالفرد هو العدو وهو الضحية، وهو الذي يظلم نفسه وهو الذي يتحمل عواقب هذا الظلم، هو المعتدي بانحرافه وضلاله وهو المعتدى عليه. ولما كان العدل من مقتضي حكم الله، فان كل ما يقع علينا من الهزائم والضربات ما هي إلا مظاهر من انتقام الله العادل. وبذلك يجري امتصاص مشاعر الغضب والنقمة ضد العدو ويجري تحويلها ضد الضحية. وانسجاما مع هذا الموقف يستخدم مفهوم مجاهدة النفس بديلا عن جهاد العدو، ويزداد التركيز السلبي على أولوية جهاد النفس بوصفه الجهاد الأكبر، وتعزل معاني الآيات الكريمة من مثل «وما أصابكم من مصية فيها كسبت أيديكم، عن موضوعها الصحيح من سياق المنظومة الاسلامية الشاملة. أما الفرد الذي يصبح عبر هذا النوع من التفكير هو ميدان المعركة وعناصرها فهو شخصية معنوية مطلقة لا تحديد لها، ومن هنا تضيع حدود المسؤوليات الاجتماعية والسياسية: مسؤوليات الهزائم ومسؤوليات التغيير. ويغرق الناس في حالة من القدرية السلبية المستسلمة التي لا تنسجم مع روح الاسلام وشخصيته الفاعلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت