ويظهر هذا الموقف في أقسى صوره حينها يأتي في وقت يمارس فيه العدو أبشع أساليب غطرسته ووحشيته خلال الغزو العسكري والمجازر الدموية الرهيبة التي لا تنال من القوى المقاتلة قدر ما نحصد من أرواح المدنيين من شيوخ وأطفال ونساء، ويذكرنا هذا الموقف بالقصة التمثيلية المعروفة التي تدور حول رجل سرقت منه دابته فاجتمع الناس عليه يلومونه ويقرعونه لأنه لن يحسن رباطها ولم يتحوط لها من السرقة، فلما بالغوا في ذلك وقتا طويلا، ذكرهم بأن عليهم أن يسبوا اللص ساعة واحدة على الأقل.
فلا عجب إذن أن تشجع السلطة هذا النوع من التعبير الاسلامي وان تستثمره للتهرب من المسؤولية ولاحتواء الاتجاهات الأكثر ثورية في الفكر الاسلامي السياسي. بل إن بعض الأنظمة الأكثر تساهلا ودهاء لتسمح بما هو أكثر، وبخاصة في ظروف تفاقم النقمة العامة على التقصير والتخاذل افتترك للخطباء المتحمسين المخلصين وغير المخلصين أن يكملوا الاتهامات ضد المواقف العربية العامة ومن ضمنها المواقف الرسمية بشرط أن تتسم هذه الاتهامات بالعمومية المفرطة التي تضع الجميع في سلة واحدة: حكام العرب جميعا دون تحديد، والشعوب العربية جميعا دون تمييز للمواقف والمواقع. ولكن حتى في حدود هذا المظهر التعبيري العام الذي يجري من على المنابر العامة فان السلطة لا تسمح له بتجاوز حد معينة على الرغم من أن أصحابه ينطقون به بصفتهم الفردية فاذا ما حدث وتجرأ أحد الخطباء او الدعاة بادانة موقف السلطة المحلية مباشرة، فانه يصطدم مع أجهزة الأمن والقمع وهذا ما حدث مرارا وما يزال يحدث. * اضافة الى المظهر العلني العام من على المنابر العلنية والذي تحدثنا عنه آنفا، يتخذ أسلوب الدعوة الفردية والتوجيه السلوكي والأخلاقي الديني صيغة أكثر تحديدا وتطورة، ونعني بها الصيغة التنظيمية، فالتيار الفكري الشعبي الذي يطمح الخط الأساسي في الاتجاه الاسلامي الى تعميقه وتوسيعه يقوم