وقوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ... } الآية، حذفت المفاعيل مع ما أهلكوا به للعلم بها، والتقدير: كذبت قبلهم قومُ نوحٍ نوحًا أو الرسل، بشهادة قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [1] فأُهلكوا بالطوفان، وعادٌ هودًا أو الرسل فأُهلكوا بالريح، وفرعونُ موسى فأُهلك ومن معه بالغرق، وثمودُ صالحًا فأُهلكوا بالصيحة، وقومُ لوطٍ لوطًا فأُهلكوا بالخسف، وقومُ شعيبٍ شعيبًا فأُهلكوا بعذاب يوم الظُلَّةِ [2] . وقد ذكرت فيما سلف من الكتاب: أن التاء إنما أدخلت في كذبت لأن القوم جماعة، فأنث الفعل لتأنيث الجماعة [3] .
وقد جوز بعض المعربين الوقوف على نوح، على أن يكون {وَعَادٌ} مبتدأ، وما بعدها عطف عليها، والخبر {أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} ، وعلى عاد وعلى لوط على التأويل المذكور آنفًا [4] ، وهو من التعسف، والوجه ما ذكرت، وهو أن يكون الكل عطفًا على قوله: {قَوْمُ نُوحٍ} ، وأن يكون {أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ} مستأنفًا عاريًا عن المحل، فاعرفه.
{وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) } :
قوله عز وجل: {مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} الفَوَاقُ والفُوَاقُ بفتح الفاء وضمها، وقد قرئ بهما [5] : ما بين حلبتي الحالب من الوقت، لأنها تُحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لِتَدُرَّ ثم تُحْلَبُ، يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا، أي:
(1) سورة الشعراء، الآية: 105.
(2) إشارة إلى قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: 189] . وحرفت في المطبوع إلى (يوم الظلمة) .
(3) انظر إعرابه للآية (105) من الشعراء حيث فصل القول هناك وحكى فيها عدة أقوال.
(4) انظر هذا الإعراب في التبيان 2/ 1098 أيضًا.
(5) كلاهما من المتواتر، فقد قرأ الكوفيون عدا عاصمًا بضم الفاء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر السبعة / 552/. والحجة 6/ 66. والمبسوط / 380/. والتذكرة 2/ 525.