أو كما تكون الجمل؟ فالجواب: أن موضعه موضع الجمل، كما أنك لو قلت: قلت رويدَ لكان موضعه موضع الجمل، وكذلك لو قلت: قلت فداء، انتهى كلامه [1] .
وقوله: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} أي: ولا تزجرهما، يقال: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ، إذا استقبله بكلام يزجره.
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } :
قوله عز وجل: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} الجمهور على ضم الذال، وهو ضد العز، وقرئ: بكسرها [2] ، وهو الانقياد وضد الصعوبة. قال أبو الفتح: الذِّلُّ في الدابة ضد الصعوبة، والذُّلُّ للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة، لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرًا مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولا تستنكر مثل هذا ولا تَنْبُ عنه، فإنه من عَرَفَ أنِسَ، وَمَنْ جَهِلَ استوحش، وقد قال شاعرنا في معناه:
389 -وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِنْ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وَلَكِنْ تَأْخُذُ الآذان مِنْهُ ... عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ والعُلُومِ [3]
انتهى كلامه [4] .
(1) الحجة للقراء السبعة 5/ 94 - 95.
(2) قرأها سعيد بن جبير، وعاصم الجحدري، ويحيى بن وثاب، ورواية عن عاصم. انظر معاني الفراء 2/ 122. وجامع البيان 15/ 67. ومعاني النحاس 4/ 141. ومختصر الشواذ / 76/. ونسبها أبو الفتح 2/ 18 إلى ابن عباس وعروة بن الزبير - رضي الله عنهم -.
(3) البيتان لأبي الطيب المتنبي. انظر شرح ديوانه لأبي البقاء 4/ 120.
(4) المحتسب 2/ 19.