وروى عُروة، عن عائشة أنَّها قالت:"أهلَلْتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حجّةِ الوداع بعمرة فكنتُ مِمَّن تَمَتعَ ولم يَسُقِ الهديَ". قال:"فزعَمتْ أنَّها حاضت ولَم تَطهُرْ حتى دخلتْ ليلةُ عرفةَ فقالت للنبي - صلى الله عليه وسلم: هذا يومُ عرفة ولم أَطهرْ بعدُ، وكنتُ تمتّعتُ بالعمرةِ"فقال لها:"أَهِلّي بالحج واسكتي عن العمرة". خرّجه قاسم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عنه [1] .
فأخبرتْ عائشةُ عن نفسِها في هذا الحديثِ أنَّها تَمَتَعتْ مِن أجْلِ أنَّها أَهَلَّتْ بعمرة، وهذا تَجَوُّزٌ؛ إذ لاَ خلافَ أنَّها لَم تَحِلَّ من عُمرتِها حتى كَمُلَ حَجُّها، فأيْنَ حقيقةُ التَمَتُّع؟ [2] .
(1) وهو في صحيح البخاري بمتنه وإسناده كتاب: الحيض باب: امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض (1/ 102) (رقم: 316) .
(2) روى ذلك جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عائشة صريحًا، خرّجه مسلم في صحيحه كتاب: الحج باب: بيان وجوه الإحرام .. (2/ 881) (رقم: 1213) .
وانظر: فتح الباري لابن رجب (2/ 104 - 108) .
والحاصل أنَّ الأحاديث التي جاءت بإضافة التمتع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - موُوّلة إلى أنه أمر بذلك أو أنه أُطلق التمتع على القران.
قال ابن حبان بعد أن ساق جملة من تلك الروايات:"وأما الأخبار التي ذكرناها قبل فِي التمتع، فإنها ما نقول في كتبنا: إن العرب تنسب الفعل إلى الآمر كما تنسبه إلى الفاعل، فلما أذن لهم - صلى الله عليه وسلم - في التمتع وقال:"من أهلّ بعمرة ولم يكن ساق الهدي فلْيحلّ"كان فيه إباحة التمتع لمن شاء، فنُسب هذا الفعل إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الأمر به، لا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان متمتِّعا، ولذلك قال عمر بن الخطاب للصُّبيّ بن معبد حيث أخبره أنه أهلّ بالحج والعمرة فقال: هُديت إلى سنّة نبيّك". الصحيح (الإحسان) (9/ 249) .
وأورد الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيّم زاد المعاد أكثر من عضرين دليلًا صحيحًا صريحًا من السنة، فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا في حجّته، وبيّن أن التمتع يُطلق على معنيين، منها تمتّع القران، وهي لغة القرآن، ورجّح بأكثر من عشرة أوجه أن حجّته - صلى الله عليه وسلم - كان فيها قارنًا. انظره في: زاد المعاد (2/ 107 - 158) .