تحفظون من الوقائع وتعرفون مثلما أعرف ويزيد، ولكنني لن أحدث اليوم بما يمكن أن يقال عنه خرافة أو أسطورة، وإنما أحدثكم بقول الله أو قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك أنتزع من الواقع المبارك واقع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- حادثة حقيقة واقعية تدل على أن الحسد والعين موجودان.
وتلك الحادثة أخرجها الإمام مالك وابن حبان في صحيحه وصححها العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حنيف فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر، وكان سهل رجلًا أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! قال: فوعك سهل مكانه -أي مرض- واشتد وعكه فأُتِى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبر أن سهلًا وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبر سهلٌ بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"عَلامَ يَقْتلُ أحدُكم أخاه! أَلَا بَرَّكْتَ؟ إن العين حق توضأ له"وفي رواية:"اغتسل له"، ثم قال:"إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس به بأس".
وفي رواية: ثُم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، ودَاخِلة إزاره، وأمره أن يصب عليه.
قال سفيان: قال مَعْمَر، عن الزهري: وأمر أن يكفَأ الإناء من خلفه" [1] "
فهذه ـ أيها الإخوة ـ كلمة قالها الرجل في أخيه فوقع على الأرض حتى إن بعض الروايات تذكر أن الذي أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: يا رسول الله أدرك سهل بن حنيف فإنه والله ما يرفع رأسه فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من تتهمون به"قالوا: عامر بن ربيعة، نعم فالمنظور كاد أن يموت، وهذا ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما روى ابن عدي وأبو نعيم من حديث جابر وأبي ذر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"العين تُدخل الرجل القبر، والجمل القدر" [2]
ويرد ابن القيم -رحمه الله- على المنكرين لأثر العين بقوله: (أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم
(1) أخرجه ابن ماجة (3509) ، وغيره وهو في صحيح الجامع الصغير 1/ 212.
(2) أخرجه ابن عدى في الكامل (6/ 408) وأبو نعيم في الحلية (7/ 90) وحسنه الألباني في الصحيحة 1249.