الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد المعبود، والصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أيها المسلمون، إن الثبات على دين الله تعالى مطلب كل مسلم صادق، وأمنيته الغالية التي يحب أن يخرج بها من الدنيا؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أخي المسلم، لا تأمن على نفسك، ولا تركن إلى ما عندك من العلم والعبادة، بل اجتهد في العمل والافتقار إلى الله ودعائه بالثبات، وقل: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران 8] .
وادعُ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك.
عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه و سلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: فقال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز و جل يقلبها) [1] .
وكيف آمن على نفسي وتأمن على نفسك وقد قال الله لسيد الثابتين: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} {إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء 74 - 75] .
عباد الله، إنها لنكسة عظيمة، ومصيبة كبيرة، أن يترك المسلم طريق الحق ليسلك طريق الباطل لشبهة عرضت له أو لشهوة انحرفت به، فكيف سيكون حاله وحياته لو حصل ذلك؟
كيف هجر محبة الله، ووصل محبة الشيطان! وكيف سلخ عنه السعادة ليلبس الشقاء!، وكيف نسي الجنة وما أعد الله تعالى لأهلها فيها ومضى في طريق الجحيم.
كم هو ندمه وحسرته، وكم هو عناؤه وشقوته إذا بعثر من في القبور وحصل ما في الصدور، وجمع الناس ليوم البعث والنشور.
فأصبح كالبازي المنتف ريشه ... يرى حسراتٍ كلما طار طائر
وقد كان دهرًا في الرياض منعّمًا ... على كل ما يهوى من الصيد قادر
(1) رواه أحمد، وإسناده قوي.