هذه هي قصة هذه الآية وموضوع سبب نزولها.
فرأى بعضهم أن هذا غاية في اللطف في المعاتبة. كما نقل سفيان بن عيينة عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة [1] .
ورأى عمرو بن ميمون: أن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه، كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي. فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التبجيل والتعظيم، وليس «عفا» هنا بمعنى: غفر، بل كما قال صلى الله عليه وسلم: «عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط، أي لم يلزمكم ذلك [2] .
رأينا أقوال العلماء في هاتين الآيتين، والحقيقة أنه ليس هناك ما يستشكل، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يرتكب ذنبًا، ولم يأت بمعصية، فهو لم يترك أمرًا، ولم يأت منهيًا عنه، وإنما هو الاجتهاد في وقائع لم يسبق فيها أمر ولا نهي. وهي محل للصواب والخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم - بشر - يخطئ ويصيب في اجتهاده، وللمخطئ هنا أجر وللمصيب أجران. وإنما جاء العتاب في أنه لم يحرز الأجرين وهو أهل لذلك.
وإذن فهذه الوقائع حدثت بتقدير من الله تعالى لتأكيد صفة العبودية في ذاته الكريمة صلى الله عليه وسلم وهذا كما سبق في أول الفصل تكريم له لونه الخاص.
(1) تفسير ابن كثير.
(2) المواهب اللدنية 4/ 256.