وقال ابن العربي: قد بينا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته [1] .
قال ابن حجر: «ومن الخصائص النبوية ما أخرجه ابن شيبة والبخاري في «التاريخ» من مرسل يزيد الأصم قال: «ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط» وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: «ما تثاءب نبي قط» ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق. ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من الشيطان» [2] .
تلك هي حجج من قال بهذه الخصوصية.
ولكنها في الحقيقة لا تصلح لإثبات هذه الخصوصية. وذلك:
1 -لأن المراسيل لا تقوم بها حجة، وقد سبق وذكرت أقوال الأئمة في أن الخصوصية لا بد لها من دليل صحيح.
2 -كون التثاؤب من الشيطان، لا يعني أن الرسول ما كان يتثاءب، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين في أحاديثه أن الشيطان يضحك عندما يترك الإنسان العنان لنفسه عند التثاؤب، فيفتح فمه مع ما يصاحب ذلك من صوت منكر.
وقد علمنا صلى الله عليه وسلم كيف نفوت الفرصة على الشيطان، برد التثاؤب ما استطعنا، وذلك بأن لا نسمح لأنفسنا بأن نفتح أفواهنا قدر طاقتها، بل أن نبادر إلى دفع ذلك فإن لم يمكن، فليمسك أحدنا بيده على فيه، أو بثوبه، كما ورد ذلك في التعليم النبوي الكريم، وبهذا لا يكون للشيطان حظ فيما يرغب فيه، وينتهي دوره في هذا الفعل بإبطال ما سعى إليه.
والرسول صلى الله عليه وسلم أقدر الناس على ذلك. فأين دور الشيطان عندئذٍ بالنسبة إليه.
3 -قد نقل لنا الصحابة عن حياته وأفعاله كل صغيرة وكبيرة، فكيف فاتتهم هذه المسألة، ولم يذكرها أحد منهم حتى جاءت عن التابعين مرسلة بغير إسناد.
والخلاصة: إن ما ذكر في هذه المسألة من الأدلة على الخصوصية، لا يصلح لإثباتها. ولذا فليست هي من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وقد ألحق بها المهتمون بكثرة الخصائص: عدم التمطي.
وجميعهم ذكر ذلك دون إسناد أو دليل. وكل ما قالوه؛ كما جاء في فتح الباري:
«ووقع في «الشفاء» لابن سبع: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطى، لأنه من الشيطان والله أعلم» [3] .
ومثل هذا الكلام لا يكون حجة ولا دليلًا، ولكنه التهاون بأمر الخصائص وعدم الوقوف بها عند الأدلة والنصوص.
(1) فتح الباري 10/ 612.
(2) فتح الباري 10/ 613.
(3) فتح الباري 10/ 613.