التاسع: العقوبة الدنيوية التي تأتي من (الغش في البيع) ؛ ليعلم كاسب الحرام أن الحرام لا يدوم وأن كل ما جمعه من مال سوف يذهب سدى إما للاستشفاء من مرض مستعصٍ، أو بخسف وحرق، أو هدر من غير سبب، أو يذهب في مجالات الحرام واللهو ليزداد إثمًا، أو محق إلهيٌّ للمال الذي اكتسبه، ونزْع البركة منه .. إلى غير ذلك والله أعلم، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( إِنَّ رَجُلًا حَمَلَ مَعَهُ خَمْرًا في سَفِينَةٍ يَبِيعُهُ وَمَعَهُ قِرْدٌ قَالَ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ الْخَمْرَ شَابَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ بَاعَهُ قَالَ فَأَخَذَ الْقِرْدُ الْكِيسَ فَصَعِدَ بِهِ فَوْقَ الدَّقَلِ قَالَ فَجَعَلَ يَطْرَحُ دِينَارًا فِى الْبَحْرِ وَدِينَارًا فِى السَّفِينَةِ حَتَّى قَسَمَهُ ) ) [1] .
فعلى المسلم أن يدقق في كل مال يحصل عليه، وكذلك يدقق في نوع البضاعة التي يريد أن يحصل عليها، ويدقق في طريقة التعامل من الآخرين، وفي نوع البيع والشراء.
مما تقدم غيض من فيض، فهذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس بالباطل من الكبائر. وعلى هذا يقول العلماء: (يدخل في هذا الباب، الخائن، وشاهد الزور، ومن استعار شيئًا فجحده، وأكل الرشوة، ومن باع شيئًا فيه عيب فغطاه. وأية وسيلة أخرى من وسائل الكسب الحرام) .
يقول الذهبي في موعظته: (عباد الله تدبروا العواقب، واحذروا قُوَّة المناقب، واخشوا عُقُوبَة المعاقب، وخافوا سلب السالب، فَإِنَّهُ وَالله طَالب غَالب أَيْن الَّذين قعدوا فِي طلب المنى وَقَامُوا وداروا على تَوْطِئَة دَار الرحيل وحاموا مَا أقل مَا لَبِثُوا وَمَا أوفى مَا أَقَامُوا لقد وبخوا فِي نُفُوسهم فِي قَعْر قُبُورهم على مَا أسلفوا ولاموا) [2] .
واختم بقول الشيخ الدكتور أحمد راتب النابلسي: (الحقيقة أحيانًا الذي يغش يظن نفسه ذكيًا، هو يجمع المال عن طريق الغش بالمئات، يدفعها بالملايين دفعة واحدة، لكن لا أحد يعلم، المؤمن يعلم أن المال الحرام يتلف ويتلف صاحبه. أعرف رجلًا له دخل حرام، أول ولد معتوه وكذلك الثاني والثالث والرابع: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} (البروج: 12) يبني دخله على الحرام، يبني دخله على أكل أموال الناس بالباطل، يبني دخله على الكذب، يبني دخله على غش الناس. هناك أخ
(1) أخرجه أحمد 2/ 306 برقم (8041) . رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم، وقد شك حماد في رفعه فيما سيأتي برقم (9282) من رواية عفان بن مسلم عنه، ووَقْفه هو الصواب عندنا، فإنه يَبْعُد جدًا أن يعاقب من يشوبُ الخمرَ بالماءِ بمثل هذا، لأن الخمر لم تكن قط مباحة لا قبل الإِسلام ولا بعده، ويغلب على الظن أن هذا مما سمعه أبو هريرة رضي الله عنه من كعب الأحبار مما تناقلته بنو اسرائيل بينهم من الحكايات القديمة، والله تعالى أعلم.
(2) الكبائر للذهبي ص 133.