حسن الخلق حلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب للبعل فهي تصلح للبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي صلّى الله عليه وسلم ما لم يعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال، وعلى مزيد فضلها في هذه السورة الكريمة من عتابها وعتاب صاحبتها حفصة رضي الله تعالى عنهما ما لا يخفى، ثم لا يخفى أن فاطمة رضي الله تعالى عنها من حيث البضعية (وهى بضعة رسوا الله صلى الله عليه وسلم) لا يعد لها في الفضل أحد، وتمام الكلام في ذلك في محله [1] .
هذان نموذجان لبطولة الإيمان واليقين والصبر في الإسلام يؤكدان أول ما يؤكدان أن الرجولة بمعناها الدلالى في الإسلام ليست حكرا على الذكور، والذين ربما تجد فيهم الكثير من المخنثين الذين لا هم لهم إلا سافل الهمم، وتافه الأهداف والغايات .. إن المنهج الاسلامي الحقيقي لا يصنع إلا الأبطال، فإذا ما قابلت السفهاء والمخنثين فاعلم أن داخلهم خواء من قيم الإسلام وتعاليمه .. إن البيئة العاتية في الطغيان والكفر في عقر دار فرعون تحولها امرأةٌ مؤمنةٌ حقَ الإيمان إلى صرحٍ عالٍ ونموذجٍ فريدٍ من البطولة والتضحية من أجل العقيدة، ولعل هذا هو سبب الإصرار العجيب في الذكر الحكيم على تسمية (آسية بنت مزاحم) القديسة المؤمنة، بكنيتها (امرأة فرعون) ؛ ليتعلم المؤمنون الدرس الأهم في عمق الرجولة الإسلامية، وهو أن الإسلام يصنع البطولات من النساء كما هي من الرجال ولا فرِق .. والنقطة الثانية في الدرس السامي أن الإسلام يزرع بالإيمان النور في قلب الظلام يشقه شقًا؛ ولا يبالي بسطوة الظلام أيًا كانت .. هذه الدروس الراقية في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم للبطولة والرجولة يسوقها الله سبحانه في قرآنه في شخص الطاهرة النقية (امرأة فرعون) .. وكما أقول امرأةٌ بألف رجل!!!!!
أما النموذج الثاني فهو للتي أحصنت فرجها .. بطولةٌ من نوعٍ آخر .. إنها بطولة العفة والطهارة؛ والارتقاء بالمرأة التي أرادها الغرب- وفقط- فرجًا مدنَّسًا في غرفة النوم، ومهيجًا للغرائز الحيوانية الساقطة، وواجهة إعلانٍ مبتذلةٍ لأتفه المنتجات .. أرادها (ديكورًا) ومختبرا لأحدث (تقاليعه وموضاته) ، ومختبرًا لتجاربه في إفساد الحياة الاجتماعية والإنسانية ... ولكن الإسلام جاء ليعرض
(1) راجع تفسير الالوسي 14/ 258 و تفسير القرطبى. والفرج ما بين الرجلين وكني به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح، ومنه ما هنا عند الأكثرين ...