ومنها: أن قتلى المؤمنين كانوا اثنى عشر، وقتلاهم لا تحصى عددا، فقتلى المسلمين كانوا أقل عددا، وفيها كان النصر المؤزر، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله تعالى هي العليا.
ولقد قال في ذلك الحافظ ابن كثير في تاريخه [1] : «هذا عظيم جدا، أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو القلة التي تقاتل، في سبيل الله وعدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة، وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن النصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر، وقد قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت في يدي تسعة أسياف وما بقيت في يدي إلا صفحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها.
دع غيره من الأبطال الشجعان من حملة القرآن الكريم وقد تحكموا في عبدة الصلبان، عليهم لعنة الرحمن ذلك الزمان وفى كل أوان، وهذا مما يدخل في قول الله تعالى: «قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار» . وإننا نرى أن هذا يشبه ما قرره الله تعالى من أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، وأن مائة صابرة تغلب ألفا، وأنه عند قوة الإيمان وقوة الصبر يكون المؤمن الصابر يغلب مائة. وقد كان ثلاثة آلاف قد غلبوا مائتى ألف، وصدق قول الله تعالى: «يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا، بأنهم قوم لا يفقهون» هذا هو الحق) ا. ه .. إن غزوة مؤتة أول غزوة تخرج عن دائرة الجزيرة العربية إلى دائرة أراض تحت سلطان الرومان، فإذا كانت النتائج تكون على هذه الشاكلة، فإن النصر سيكون لجيش الحق بإذن الله تعالى، وقد كان، فكانت اليرموك وما بعدها في عهد الراشدين، فكانوا يفرون كما تفر الشاة أمام الأسود. وإذا كانت بدر أول انتصار في الأرض العربية، فمؤتة أول انتصار مؤزر خارج الجزيرة العربية، وهو ابتداء ليس له انتهاء أو مبتدأ له خبر [2] .
(1) راجع البادية 4/ 295 دار إحياء التراث.
(2) خاتم النبيين، 3/ 851.