فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 181

أقول: لقد اضطلع هذا الرجل المؤمن من آل فرعون بواجبات إيمانه أتم اضطلاع، واثبت مقتضيات رجولته أقوى إثبات .. فاستحق بذلك أن يصير مثلًا قرآنيًا يُحتذى، ونموذجا يُدرس في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم للرجال والأبطال .. إن الرجل هنا انطلق من رحم الفساد والضلال ليعلى كلمة الحق .. يدافع عنها بكل ما أوتى من فصاحة، وبلاغة، وفهم دقيق، وعميق للقضية التي يناضل من أجلها .. لقد رسخ في قلب الرجل إيمانه، والذى تدلنا الآيات الكريمات أنه كمله بالعلم، والتدبر، والفهم العميق للواقع المحيط، وطبيعة المخاطَبين بالدعوة إلى الحق، وكذا طبيعة الحرب على هذا الحق .. ثم إن الرجل استغل موقعه في صنع القرار والنصيحة في ملك فرعون .. استغل ذلك في خدمة دينه وعقيدته بلسانٍ فصيحٍ، وحججٍ قويةٍ، وإصرارٍ بالغٍ على الدفاع عن دعوة الحق ورموزها .. هذه الصفات التي تمتع بها هذا الداعية الفذ من الإيمان بالحق، والفهم الدقيق العميق لقضية الحق، والقوة على قول هذا الحق، واستغلال المواقف والمواقع لإعلاء كلمته، والإحاطة التامة بواقع الحرب على الحق وأهله، وينضاف إليها الفصاحة والبلاغة، وامتلاك لغة العصر في ترسيخ كلمة الحق .. هذه الملكات هي ما يعلمنا القرآن الرائع بآياته العظام في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لنكون أهلًا لحمل لواء هذا الدين ونشر النور الذي أتى به .. إن مؤمن آل فرعون لم يلبث أن وجد فرصة ينشر بها دينه ففعل دون تردد وبكل قوة وبيان، وهذا الإيمان بالقضية والاستماتة في سبيلها هو بالحقيقة أشد ما نحتاجه اليوم في زمن خارت فيه العزائم .. وقل الرجال .. فهل المؤمنون اليوم أقل من مؤمن آل فرعون إيمانا، أم أنهم -حقيقةً - يدعون الإيمان؟! وَفِي حَدِيثِ حَارِثَةَ الْمَشْهُورِ - وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ مُرْسَلَةٍ، وَرُوِيَ مُتَّصِلًا، وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ - «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةً، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ كَيْفَ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا. قَالَ: أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ» [1] ...

(1) من جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 128، وقد أخرجه: الطبراني في"الكبير" (3367) ، والبيهقي في"شُعب الإيمان" (10591) ، من حديث الحارث بن مالك، به مرفوعًا، وأخرجه: البزار (32) ، والبيهقي في"شُعب الإيمان" (10590) من حديث أنس بن مالك، به مرفوعًا. وهو ضعيف الإسناد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت