فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 172

وكذلك في مجال المعرفة اليقينية والوصول إليها، نجد ابن تيمية أيضًا هو أول من تحرر من الفلسفة العقلية اليونانية، وهذا لا يمنع من أن بعض علماء الإسلام أمثال «أبي حامد الغزالي» قد نقد الفلسفة اليونانية في كتابه «تهافت الفلاسفة» إلا أن الغزالي بقي أسيرًا لمنطق أرسطو وهو أول من صرح بوجوب اتخاذه ميزانًا للعلوم، وفي كتابه «القسطاس المستقيم» نجد كثيرًا من الحجج القرآنية قد صاغها في أقيسة منطقية أرستطالية [1] .

ومما يؤسف له أن الجامعات والمدارس الإسلامية الشرعية في القرون الماضية وحتى الوقت الحاضر تدرس المنطق الصوري الأرسطي ويعدونه من متممات الدراسة الشرعية ولا يذكرون ما بذله ابن تيمية من جهد في نقده لهذا المنطق، والذي يعد بحق أول من نقده نقدًا علميًا دقيقًا، فقد نقد القضايا والحد والقياس، ونحن هنا لن نتطرق بالتفصيل لهذا النقد، وقد بحث هذا الأمر في كتب متخصصة .. [2] وإنما نلقي نظرة عامة لهذا النقد وسبل المعرفة الحقة عند ابن تيمية في نقده للمنطق.

يبدأ بأقوال العلماء السابقين مثل ابن الصلاح الذي يقول في فتاويه: «المنطق مدخل الفلسفة ومدخل الشر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلُّمه مما أباحه الشرع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والسلف الصالح وسائر من يقتدى بهم .. وليس بالأحكام الشرعية افتقار إلى المنطق أصلًا، وما يزعمه المنطقي بالمنطق من أمر الحد والبرهان فقاقيع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن، ولا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها؛ حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة يزعمها، فقد خدعه الشيطان» [3] .

وفي هذا الباب أيضًا يشير ابن تيمية إلى مناظرة أبي سعيد السيرافي - وكان من العلماء الفضلاء - مع متى بن يونس - الفيلسوف النصراني - في حضرة الوزير ابن الفرات، وكان هذا الفيلسوف النصراني يقول: «إنه لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق، واستفدناه من واضعه على مراتبه» [4] .

وهذه المناظرة جاءت كاملة في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي ... وقد بدأت المناظرة بتوضيح «متى بن يونس» لغاية المنطق فقال: «إنه آلة من آلات الكلام، يعرف بها صحيح

(1) انظر: تجديد التفكير الديني في الإسلام، محمد إقبال، ص 147، ترجمة عباس محمود، ط 2، القاهرة، 1968 م.

(2) ارجع إلى كتاب: منطق ابن تيمية ومنهجه الفكري، للدكتور محمد حسني الزين.

(3) ابن تيمية، لمحمد أبي زهرة، ص 244 نقلًا عن فتاوى ابن الصلاح، ص 435.

(4) المرجع نفسه ص 245، نقلًا عن العقيدة الأصفهانية، ص 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت