فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 172

لكنَّ المسلمين - فيما بعد - تخلَّوا عن مستوى العمل بالإسلام الذي كان عليه أسلافهم، وشمل التقصير الحاكم والمحكوم على السواء، ومما يحدِّثنا به التاريخ أن أبا الطيِّب المتنبي (ت 354 هـ) اشترط أن ينشد قصائده في مدح من يمدحهم من الحكام وهو قاعد لا قائم، ورفض أن يقبِّل الأرض بين يدي إنشاده (!! ... ) هذا خبر صغير ولكن له دلالات عظيمة وكثيرة؛ فالحاكم مسلم لشعب مسلم في قطر مسلم، وشاعره مسلم يرفض هذا، هذا الأمر النُّكْر، وخالقنا الذي إليه مصيرنا طلب منا وفرض علينا أن نسجد له ولم يطلب منا أن نقبِّل الأرض؛ فلننظر كيف تحوَّل المسلم الذي حرَّره الإسلام من كلّ عبودية، وحرّم عليه أن يستعبد إخوانه، فصار يفرض على أخيه في الإنسانية، وأخيه في الإسلام أن ينشد قائمًا لا قاعدًا، وإن يقبِّل بساطه بين يدي إنشاده (؟!! ... ) .

والذي يعيننا هنا، أن المسلمين لما قصَّروا في العمل بالإسلام عن المستوى المطلوب ضعف شأنهم في كل ميدان، وناموا على علومهم، وكانت الأسباب قد تهيَّأت ليستيقظ الأوربيّون، ولم تكن تلك اليقظة أو النهضة إلا بعوامل إسلامية في الغالب؛ فمنها الوجود الإسلامي في طرف أوروبا الغربي (الأندلس) مدة ثمانية قرون [1] ، وكان هذا الوجود أشبه بمصباح قويّ على أوروبا الغارقة في نومها وجهلها وظلامها، ومن هذه الأسباب أو العوامل المولّدة للنهضة الأوربية الاحتكاك الذي استمرَّ قرنين: مائتي عام من الزمان - أعني مدة الحروب الصليبية - ثم الحكم الإسلامي في صقلية، وفي مالطة وغيرها، وقد كان البحر الأبيض المتوسط أشبه ببحيرة إسلامية، ثم التجوُّل الموَّار للتاجر المسلم في أركان المعمورة - ومنها أوروبا -؛ فقد وجدت نقود إسلامية على سواحل بحر البلطيق؛ فهذه دلالة من الدلالات على وصول التجار المسلمين إلى تلك المناطق

(1) من السنة 92 هـ (الثانية والتسعين للهجرة) حتى السنة 897 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت