وقد فطر الله الناس على هذه العاطفة لحفظ الإنسان والحياة واستمرارها بقدر الله في الحياة الدنيا، والمقصود فيها في نهاية الأمر بقاء البرية لعبادة الله تعالى، يقول - يرحمه الله: «والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان، فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره» [1] .
ويتحدث ابن تيمية عن العواطف المتعددة لدى الإنسان، ويؤصلها على عاطفتي الحب والكراهية، فهو يتحدث عن حب الخير وكراهية الشر، وحب التواضع وكراهية الكبر، وحب الجمال والسعادة واللذة، وكراهية القبح والشقاء والألم، وحب المعرفة وكراهية الجهل» [2] .
ويحدثنا ابن تيمية ووفق التصور الإسلامي السليم، عن انحراف العاطفة، وتحولها إلى هوى يأسر قلب المسلم، ويزيفه عن فطرته التي فطره الله عليها، يقول - رحمه الله: «إن المتبعين لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه [3] . وقد ذكرنا سابقًا [4] ، كيف أن صورة المحبوب تستولي على الشخص فلا تفارقه ولا يستطيع إبعادها وصرفها عنه، كما يستولي الأسد على الفريسة، فلا تستطيع الفريسة الحراك بين يديه، وهو ما يعرف في علم النفس الحديث بالعاطفة السائدة.
ويحدثنا ابن تيمية في مواضع كثيرة من فتاويه عن درجات الهوى، ودور الشيطان في ذلك من المشركين الذين اتبعوا أهواءهم دون علم وعقل، وحتى أولئك الذين أصبحوا عبيدًا لما يحبون من اللباس والأثاث، والمال وغير ذلك من محبوبات الإنسان في هذه الحياة الدنيا [5] .
ويبين ابن تيمية - رحمه الله - أن هؤلاء لم يستعملوا عقولهم، ولم يعملوا بالعلم الذي جاءهم، ومن هنا قول أهل النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] حيث إنهم لم يعملوا بما ينفعهم ويدفعوا ما يضرهم بالنظر في العواقب [6] .
(1) فتاوى الرياض: 10/ 607.
(2) انظر فتاوى الرياض: 10/ 607، 608.
(3) فتاوى الرياض 10/ 611.
(4) الفصل الثاني، فقرة (العاطفة السائدة) .
(5) انظر فتاوى الرياض 10/ 611.
(6) انظر درء تعارض العقل والنقل 9/ 122.