الصفحة 90 من 128

ويقول فضالة بن

عمير الليثي رضي الله عنه: قدمت على الله عليه وسلم عام الفتح وهو يطوف بالكعبة، وكنت أريد قتله، فلما اقتربت من الرسول صلى الله عليه وسلم قال لي:"أفضالة؟". قلت: نعم، فضالة يا

رسول الله. قال:"ماذا كنت تحدث نفسك؟". قلت: لا شيء، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي:"استغفر الله". ثم وضع يده على صدري، فوالله ما رفعها حتى الله شيء أحب إليَّ منه. الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر 2/ 440. أما بكاؤه صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم أرق ما يكون، يكشف بكاؤه عن نفس الله عليه وسلم يبكي خوفًا وإشفاقًا على أمته، ويبكي من خشية الله، وعند سماع القرآن،

وقيام الليل. وكان صلى الله عليه وسلم إذا بكى لم يرفع صوته بالبكاء، وكما كان ضحكه دون قهقهة، فكذلك بكاؤه كان بلا شهيق، وغاية بكائه أن ينهمل الدمع من عينيه الشريفتين، ويسمع لصدره أزيز. فعن عبد الله

بن مسعود رضي الله الله صلى الله عليه وسلم:"اقرأ عليَّ". قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال:"إني أشتهي أن أسمعه من غيري". قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت:

"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا" [النساء: 41] . قال لي:"كف - أو أمسك". فرأيت عينيه تذرفان. متفق عليه. مجلسه صلى الله عليه وسلم: كانت كل أفعال الله عليه وسلم تشي بتواضع جمٍّ، لا مثيل له ولا نظير، فكان لا يقلد أرباب الجاه والسلطان - وهو أوجههم

وأعظمهم - في اتخاذهم مجالس يجتمع لهم فيها ذوو الأغراض والمناصب، مع أنه لو فعل ذلك ما كان عليه من حرج، إلا أنه ليس له في ذلك حاجة؛ لأن مجالس هؤلاء مظهر من مظاهر فخر زائل، وأثر من آثار عز حائل. أما مجلس النبي صلى من مظاهر عظمته وجلال من يجالسه من الصحابة الكرام

أن تصيبهم نفحة من نفحات عظمته وجلاله، فترفع لهم شأنًا وتقيم لهم بين العالمين قدرًا، وقبل هذا من مشكاة نوره ما يبددون به حنادس الظلمات وغياهب الضلالات، ولا عجب في صلى الله عليه وسلم كان يجلِس على الأرض والحصير والبِساط. وكان صلى الله عليه وسلم إذا استقبل في مجلسه

أحدًا، أقبل بوجه باشٍّ كله بشر وسرور، فإذا صافحه لم ينزع يده الشريفة من يده حتى ينزع القادم يده أولًا، ولا يصرف وجهه الكريم عنه حتى يكون هو أول صارف لوجهه، فإذا استقر

في مكانه بالمجلس الله عليه وسلم أقبل بوجهه وحديثه إليه، حتى كان من أشر الناس فيتألفه بذلك. وكان مجلسه مجلس علم وحلم، وحياء وسكينة، وصيانة وأمانة، تُتلى فيه آيات الله تعالى، وترسى فيه الآداب والأخلاق، وتغض فيه الأصوات، ولا يجهر فيه بالقول، وتصان فيه

الحُرم، ويكثر فيه الكرم، وتتنزل عنه النقم، الملائكة تحضره وتحفه، والله سبحانه وتعالى يذكر حاضريه فيمن عنده، ضعيفه قوي بإيمانه، وقويه متواضع بمقامه، وكبيره يُوقَّر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت