إلى الدراسة الوراثية أو التطورية التي تقوم على تتبع الظاهرة في تسلسلها التاريخي، وذلك كطريق وحيد للوقوف على حقيقتها وأصولها وكيفية تطورها." [1] "
أما عن الخلفيات الإيديولوجية لوضعية دوركايم، فتتمثل في الحفاظ على الواقع الوضعي العلماني، ومحاربة اللاهوت باسم العلم والتجريب والعقل. وفي هذا، يقول محمد محمد أمزيان:"أما دوركايم، فإن عمله سينطلق من حيث انتهى أستاذه، فهو دخل في صراع حاد مع النظام الديني، ولكنه كان صراعا عمليا أكثر منه نظريا، وركز على ترجمة المبادئ النظرية الوضعية إلى خطة عملية أو مشروع تربوي شامل ينتهي به إلى علمنة المجتمع فردا وجماعة وسلوكا. وهو يحتمي في كل ذلك بالعلمية والتطبيق الصارم للقوانين الاجتماعية التي لاتقبل النقض. فما كان يقرره دوركايم ليس مجرد إحساسات للقوانين الاجتماعية التي لاتقبل النقض. فما كان يقرره دوركايم ليس مجرد إحساسات أو خواطر، وإنما هي إثباتات علمية لها من اليقين بقدر ما للعلوم الطبيعية وهي حجة طالما تلبس بها دوركايم لتمرير نتائج بحوثه، وجعلها تجد سبيلها إلى عقول المواطنين دون مقاومة. ونظرا لهذا الدور الخطير الذي قام به دوركايم في تثبيت النظام الوضعي، نجد المؤرخين لعلم الاجتماع يقررون أن عمل دوركايم يعتبر في الحقيقة أكبر مجهود مذهبي عمل على تحرير علم الاجتماع من اللاهوت والفلسفة والسياسة. وإنه أراد في نهاية الأمر أن يقلب الأدوار وتجد في علم الاجتماع التفسير الوحيد لعلم اللاهوت والفلسفة."
وقد استطاع دوركايم أن يقلب الأدوار فعلا فقد أصبح علم الاجتماع معه يقوم بدور التوجيه العلماني لكل المؤسسات التي كانت خاضعة للتوجيه الديني." [2] "
(1) - محمد محمد امزيان: نفسه، ص: 88.
(2) - محمد محمد أمزيان: نفسه، ص: 48.