الصفحة 48 من 82

أنها في سياق مخاطبة أهل الكتاب، وتقرير ملة إبراهيم، وتنزيهه من اليهودية والنصرانية.

-الوجه الثاني: أن أكثر الأحاديث الصحيحة في دعائم الإسلام ليس فيها ذكر الحج؛ مثل حديث وفد عبد القيس، فقد أمرهم بالإيمان بالله وحده، وفسره لهم: أنه الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وأن يعطوا من المغنم الخمس [1] ، ومعلوم أنه لو كان الحج واجبًا لم يضمن لهم الجنة إلا به.

-وكذلك الأعرابي الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس، الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه [2] ، إنما ذكر له النبي الصلاة، والزكاة، والصوم، وكذلك الذي أوصاه النبي بعمل يدخله الجنة أمره بالتوحيد، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان.

-الوجه الثالث: أن الناس قد اختلفوا في وقت وجوبه، والأصل عدم وجوبه في الزمان الذي اختلفوا فيه حتى يجتمعوا عليه، لاسيما والذين ذكروا وجوبه إنما تأولوا عليه آية من القرآن [3] أكثر الناس يخالفونهم في تأوليها، وليس هناك نقل صحيح عمن يوثق به أنه واجب سنة خمس أو سنة ست.

-الجواب الثالث: أنه وإن كان فرض متقدمًا لكن كانت هناك عوائق تمنع من فعله؛ بل من صحته بالكلية؛ سواء كان واجبًا أو غير واجب، أظهرها منعًا: أن الحج قبل حجة الوداع كان يقع في غير حينه؛ لأن أهل الجاهلية كانوا ينسئون النسيء الذي ذكره الله في القرآن.

-وقد روى أحمد بإسناده عن مجاهد في قوله: (( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) ) [التوبة:37] قال: «حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي بسنة، ثم حج النبي من قابل في ذي الحجة، فلذلك يقول النبي: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) [4] » .

-وهذا مما أجمع عليه أهل العلم بالأخبار والتفسير والحديث، وفي ذلك نزل قوله: (( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ

(1) رواه البخاري (53) ، مسلم (18) .

(2) رواه البخاري (46) ، مسلم (11) .

(3) يريد قوله تعالى: (( وأتموا الحج والعمرة لله ) ) [البقرة: 196] .

(4) رواه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 166) (9557) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت