والمقصود أن من خلال هذه الأمثلة ونظائرها ليمكن القول بأن ثمة مؤامرة راتبة، وكيد منظّم، ونشاط متلاحق ضد هذه الدعوة المباركة .. وفي مختلف الأصقاع، إلا أن الله عز وجل قد نصر هذه الدعوة فصار لها القبول الحسن والأثر الظاهر، وأما المعارضون فقد أضحوا أثرًا بعد عين.
7.ومن علماء نجد الذين تأثروا بعلم الكلام: الشيخ محمد بن عبّاد [1] (1175 هـ) وقد بعث إلى الشيخ الإمام رسالة فيها كلام حسن في تقرير التوحيد، وطَلَب من الشيخ الإمام أن يبيّن له ما قد يشبه عليه [2] .
فمن محاكاة ابن عبّاد للكلام قوله: -"أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود .. [3] "، وقد تعقبه الشيخ الإمام بقوله: -"وهذا خطأ وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه، وإنما الذي أتت به الرسل أول واجب هو التوحيد، ليس النظر في الوجود .. [4] "
وكذا حصر ابن عبّاد الإيمان في التصديق، حيث قال: -"الإيمان هو التصديق الجازم بما أتى به الرسول [5] "وانتقد الشيخ الإمام ذلك قائلًا: -"ليس كذلك، وأبو طالب عمّه جازم بصدقه، والذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والذين يقولون الإيمان هو التصديق الجازم هم الجهمية، وقد اشتد نكير السلف عليهم في هذه المسألة [6] ".
ومما يجلي هذه المسألة ما حرّره ابن القيم بقوله: -"كل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبّه، وذلك عمل بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حبّ ما جاء به والرضا وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان [7] "
وفي موطن ثالث نلحظ أن ابن عبّاد سوّى بين القدر والشرع، حيث قال في معنى الإيمان بالقدر: -"الإيمان بأن لا يكون صغير ولا كبير إلا بمشيئة الله وإرادته، وأن يفعل المأمورات ويترك المنهيات [8] "
(1) انظر: ترجمته في علماء نجد للبسام 5/ 516.
(2) انظر: روضة الأفكار لابن غنام 1/ 104، وعلماء نجد 5/ 517.
(3) انظر: روضة الأفكار لابن غنام 1/ 104.
(4) انظر: روضة الأفكار لابن غنام 1/ 104.
(5) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(6) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(7) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 420، وانظر: زاد المعاد 3/ 638.
(8) روضة الأفكار 1/ 105.