المجتهدين، ثم قد يكون مجتهدًا مخطئًا أو مصيبًا، وقد يكون كل من الرجلين المختلفين باللسان أو اليد: مجتهدًا يعتقد الصواب معه وقد يكونا جميعًا مخطئين مغفور لهما كما ذكرنا نظير ذلك مما كان يجري بين الصحابة).
ثم إن شيخ الإسلام بعد أن ذكر أصلين فيما يتعلق بأحكام الاجتهاد عامة خصص الصحابة فقال في منهاج السنة: 5/ 460: (وإذا عُرف هذان الأصلان، فأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع ما يطعن به فيهم أكثره كذب، والصدق منه غايته أن يكون ذنبًا أو خطأَ، والخطأ مغفور، والذنب له أسباب متعددة توجب المغفرة، ولا يمكن أحد أن يقطع بأن واحدًا منهم فعل من الذنوب ما يوجب النار لا محالة، وكثير ما يطعن به على أحدهم يكون من محاسنه، وفضائله) .
وكذلك الحافظ الذهبيُّ بعد أن دفع مزاعم الخوارج، والشيعة في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابه (( معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرَّد ) )ص 46، قال: (فأما الصحابة - رضي الله عنهم - فبساطهم مطوي، وإن جرى ما جرى، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات فيما يكاد يسلم أحد من الغلط، لكنه نادر لا يضر أبدًا، إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه: العمل، وبه ندين الله تعالى) ثم قال: (والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والمؤمن إذا رجحت حسناته، وقلت سيئاته فهو من المفلحين، هذا إن كان ما قيل في الثقة الرضيِّ مؤثرًا فكيف وهو لا تأثير له) أ. هـ.
وانطلاقًا من أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف أحدًا من المجتهدين من أصحابه؛ منع أهل العلم من تجريح المجتهد المخطئ، والتعريض له، ومن باب أولى منع الكلام عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن التنصيص جاء أولًا في حق اجتهادهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: 5/ 146: (ولهذا ينهى عما شجر بين هؤلاء سواء كانوا من الصحابة أو ممن بعدهم، فإذا تشاجر مسلمان في قضية ومضت، ولا تعلق للناس بها، ولا يعرفون حقيقتها، كان كلامهم فيها كلامًا بلا علم ولا عدل، يتضمن أذاهما بغير حق، ولو عرفوا أنهما مذنبان، أو مخطئان لكان ذكر ذلك من غير مصلحة راجحة؛ من باب الغيبة المذمومة. لكن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أعظم حرمه، وأجل قدرًا، وأنزه أعراضًا، وقد ثبت من فضلهم خصوصًا وعمومًا ما لم يثبت لغيرهم، فلهذا كان الكلام الذي فيه ذمهم - على ما شجر بينهم - أعظم إثمًا من الكلام في غيرهم) .
وقال ابن أبي زيد القيروانيُّ: ت 386 هـ، في (( الرسالة ) ) (لا يذكر أحد من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب) .