وقال الحافظ ابن كثير في (( الباعث الحثيث ) )ص 182: (أما ما شجر بينهم بعده عليه السلام، فمنه ما وقع عن غير قصد: كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد: كيوم صفِّين، والاجتهاد يخطئ، ويصيب. ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضًا، وأما المصيب فله أجران اثنان) .
وفي معرض رد الشوكانيِّ على الفرق الطاعنة في عدالة الصحابة يسبب ما حدث في عهدهم من الاقتتال، كما في خواتيم المقصد الثاني من (( ارشاد الفحول ) )قال: (ويجاب عنه: بأن تمسكهم بما تمسكوا به من الشُبه، يدل على أنهم لم يقدموا على ذلك: جرأة على الله، وتهاونًا بدينه!!، وجناب الصحبة أمر عظيم، فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالمًا) .
وقبيل ذلك قال: (قال الكيا الطبريُّ: (( وأما ما وقع بينهم من الحروب، والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد، وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور، بل مأجور، وكما قال عمر بن عبدالعزيز: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا) .
الدرع الواقي لأصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من العلمانيِّ المفرط والشيعيِّ الغاليِّ:
وفي نهاية هذا المبحث نصل إلى نتيجة مفادها ومضمونها: أن الصحابة دخلوا في التعامل مع المسائل التطبيقية لعلم الاجتهاد من أوسع أبوابه، وهم يحملون كل أدواته، ومقوماته، وضوابطه، من الكتاب والسنة مباشرة، وقد تمرسوا عليها والوحي ينزل ثم تعاملوا معها بعد ذلك بكل اقتدار، وعلى هذا فإن كلام الشيعة، والعلمانيين غير وارد عليهم من أصله.
وهذه حصونهم، ودروعهم؛ دونها تحطمت كل أسلحة ورماح شبه الخوارج والشيعة، والمعتزلة، والعلمانيين، وغيرهم ممن انضم إلى مربعهم قديمًا وحديثًا بالتطاول على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء على أفرادهم أو جماعتهم.
خاصة الذين يصفهم الإعلام: بالمثقفين، أو بمفكرين إسلاميين، والبعض الآخر بمستنيرين ومتفتحين، وغير ذلك من المصطلحات التي تكمن وراءها معاني مطروحة في ساحة الدعوة، ولنا مع ما أفرزته هذه المجموعات من أفكار وقفات ليس هذا موضع بيانها، ولكن هم جميعًا كما قال الشاعر:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها = فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل