الصفحة 33 من 34

? واعلم أنّ هؤلاء الثلاثة لم يَعتذروا للنبي صلى الله عليه وسلم عن تخلفهم خوفًا من الكذب، فلَمَّا تابَ اللهُ عليهم: جعلهم مثلًا للصِدق، ودعا المؤمنين أن يكونوا مِثلهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} في توبتهم ونيَّاتهم وأقوالهم وأعمالهم، لتكونوا معهم في جنات النعيم.

الآية 120: {مَا كَانَ} ينبغي {لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا} في أهلهم وديارهم {عَنْ رَسُولِ اللَّهِ} {وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} : أي ولا ينبغي أن يَرضوا لأنفسهم بالراحة والرسول في تعبٍ ومَشَقة؛ {ذَلِكَ} - أي نَهْي المؤمنين عن التخلف والراحة - {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {لَا يُصِيبُهُمْ} في سَفرهم وجهادهم {ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ} أي عطش ولا تعب ولا جُوع {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ} : أي ولا يَنزلون أرضًًا من أرض العدو يَغتاظ الكفارُ لنزولهم فيها، {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا} : أي ولا يُصيبون مِن عَدُوّ اللهِ قتلًا أو أَسْرًا أو هزيمةً {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} (فلهذا لا ينبغي لهم أن يَتخلفوا حتى لا يَفوتهم هذا الأجر العظيم) {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .

الآية 121: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} في سبيل الله، {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا} في سَيْرِهِم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده (ذاهبين إلى العدو أو راجعين) : {إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} أجْرُ عملهم {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ} في الآخرة - على نفقتهم وتعبهم في جهادهم - {أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي بمِثل جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه قبل خروجهم في سبيل الله.

الآية 122: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} : أي ما ينبغي للمؤمنين أن يَخرجوا جميعًا لقتال عدوِّهم، كما لا يَصِحّ لهم أن يقعدوا جميعًا، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} : يعني هَلاّ خَرَجَ مِن كل قبيلةٍ منهم جماعة واحدة تحصل بها الكفاية والمقصود، و {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أي: ولِيَتعلم هؤلاء المجاهدون أحكام الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء جهادهم معه، {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} عَواقب الشِرك والمعاصي {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} من الجهاد {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} عذابَ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه (فهذا خيرٌ للمسلمين مِن أن يَخرجوا جميعًا) .

? واعلم أنّ هذه الآية قد نزلتْ عندما عَلِمَ المسلمون نتائج التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (لن نتخلف بعد اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا) ، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية يُرشدهم إلى ما هو خيرٌ لهم في دينهم ودُنياهم.

الآية 123: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} أي ابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إلى دار الإسلام من الكفار، {وَلْيَجِدُوا} يعني: ولْيَجِد الكفار {فِيكُمْ غِلْظَةً} وشدة، حتى تُدخِلوا بذلك الرعب في قلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت