• وأما إذا كانت البهيمة تغرق، ولم يتمكن من الوصول إلى رقبتها حتى يذبحها: فعليه أن يُسَمِّي اللهَ تعالى، ثم يَطعنها - طعنة واحدة - في جسدها بسِكِّين أو بشيءٍ حاد، بشرط أن تتسبب تلك الطعنة في أن ينزف الدم منها، واعلم أن هذه حالة استثنائية في التذكية (للضرورة) ، لأن البهيمة ستموت حَتمًا بالغرق، وليس هناك إمكانية من الوصول إلى رقبتها، إذَنْ فالانتفاع بها - عن طريق التذكية - أوْلَى من أن تموت هباءً.
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} : يعني وحَرَّم الله عليكم الذبائح التي ذُبِحَت على الأصنام والأحجار المنصوبة (التي تمثل إلهًا أو غير ذلك مما يُعبَد من دون الله تعالى) ، ومِثلها ما يُذبَح على قبور الأولياء والصالحين، {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} : أي: وحَرَّم اللهُ عليكم الاستقسام بالأزلام، (ومعنى الاستقسام: طلب معرفة ما يُقسَم للخَلق ويُقدَّر) ، والأزلام هي ثلاثة قِداح - أي: ثلاثة آنية - متساوية في الحجم، كانت تستعمَل في الجاهلية، مكتوب على أحدها"افعل"وعلى الثاني"لا تفعل"والثالث لا توجد عليه كتابة، فإذا هَمَّ أحدهم بأمرٍ ما: أدار تلك الآنية على جوانبها، ثم اختار أحدها، فإذا خرج المكتوب عليه"افعل": مَضَى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه"لا تفعل": لم يَمضِ، وإن ظهر الثالث (الذي لا شيء عليه) : أعاد الاختيار، حتى يخرج أحد القدَحَيْن فيعمل به، فحَرَّم اللهُ ذلك عليهم، وعَوَّضَهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم.
{ذَلِكُمْ} أي المُحرَّمات المذكورة - إذا ارتُكِبَت - فإنها {فِسْقٌ} : يعني خروج عن أمر الله وطاعته إلى طاعة الشيطان.
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} : يعني الآن انقطع طمع الكفار من أن ترتدوا عن دينكم إلى الشِرك (وذلك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، وأظهرتُ دينكم) ، واليوم المُشار إليه هو يوم عرفة، إذ أتَمَّ اللهُ دينه، ونصرَ عبده ورسوله، وانخذل أهلُ الشِرك انخذالًا بليغًا، بعد ما كانوا حريصين على رَدّ المؤمنين عن دينهم، فصاروا يخشون المؤمنين، ولهذا قال: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} : أي فلا تخشوا المشركين، واخشَوا اللهَ الذي نصركم عليهم، وَرَدَّ كَيدهم في نحورهم، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} : أي دِين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بإخراجكم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فالزموه، ولا تفارقوه.
• واعلم أن هذه الجملة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} قد فضحَتْ كُلّ مَن يَدَّعي كذبًا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأمَرَهُ أن يفعل كذا وكذا، فإن لم يفعل، فسوف يحدث له كذا وكذا، فنقول له: (اتقِ اللهَ ولا تفتري الكذب، فإن الله تعالى قد أخبر أن الدِين قد كَمُل، ولن يُضافَ إليه شيءٌ آخر) .