لأن الألوهية هي المقام الذي يتجه إليه العبد بكليته .. يتجه إليه وحده .. فلا شيء في العبد خارج هذا التوجه .. ولا وجهة أخرى له إلا هذا الاتجاه ..
فكيف يكون إحساس بالله .. وإحساس بابن الله .. ؟!
من منهما صاحب مقام الألوهية الذي سأتجه إليه بكياني كله .. وأتجه إليه وحده .. ؟!
«السلام» {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 33] .
«السلام» اسمٌ من أسمائه الحسنى، ومعناه: المُنزَّه عن الخطأ في أفعاله.
واقتران الفعل الإلهي باسم الله «السلام» يكون تأكيدًا لنفي الخطأ عن فعله سبحانه.
وعندما يتم الفعل الإلهي في الواقع يكون هذا الفعل مرتبطًا بكل مراحله وأطرافه وحكمته النهائية باسم الله «السلام» ..
وإثبات هذا الاسم في مراحل وجود عيسى يعني إثبات الحكمة من خلقه بلا أب من جهة، وإثبات حكمة حفظه من الشيطان من جهة أخرى [1] ، وإثبات الحكمة من نزوله في آخر الزمان من جهة ثالثة.
واسم «السلام» فيه تقابل مع الشيطان، باعتبار أن العداوة والحرب هي المعنى الأساسي لأعماله بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 208] .ولذلك كان السلام على عيسى في كل مراحل وجوده: السلام عليه يوم وُلِد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا ..
فيوم ولد: أحرزه الله من الشيطان، فلم ينخس أمه -مريم- في بطنها عند الولادة، كما يفعل بكل النساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها ) ) [2] .
(1) جاء في تفسير الآية: (السَّلاَمُ عَلَيَّ) أي: لا يلحقني الشيطان.
(2) أخرجه البخاري (3248، 4274) ، ومسلم (2366) ، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.