وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام: {واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] ، ولم يقل: (فإنك عزيز حكيم) لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي: أن تغفر لهم وترحمهم بأن توفِّقهم للرجوع من الشرك إلي التوحيد، ومن المعصية إلي الطاعة كما في الحديث: (( اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون ) ) [1] .
ويبين ابن القيم أن كمال اقتران الأسماء الحسنى ببعضها هو مصدر الخلق والأمر، فيقول في تفسير اقتران اسم «العزيز» باسم «الحكيم» في تفسير {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك، فإن العزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى بما شاء، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر.
وارتباط قضية عيسى باسم الله «العزيز» كما حددته الآيات بكمال القدرة على المغفرة يفسر جانبًا خطيرًا من القضية، وهو المتعلق بمعصية آدم وفكرة الكفارة المختلقة.
إذ إن التناقض في هذه القضية هو أن «الكفَّارة بصلب المسيح» التي حاولوا بها إثبات حقيقة العدل، أضاعوا بها حقيقة القدرة الإلهية على مغفرة الذنب، وهي «العزة» التي تثبتها الآية.
ومما يتمم ارتباط اسم الله «العزيز» بنفي الصلب وبدعة الكفارة .. ارتباطه بالقدرة على إنجاء عيسى ورفعه إلى السماء، وذلك في قول الله: وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما*وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه
(1) أخرجه البخاري (3290، 6530) ، ومسلم (1792) كلاهما من حديث الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: (كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول:(( رب اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون ) )، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (973) من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون ) ).