ومن هذا إخبار الأنبياء: بأن الله يقول ويتكلم وينادي ويناجي وأنه قال كذا وتكلم بكذا ونادى موسى ونحو ذلك.
والمعروف في لغتهم ولغة سائر الأمم: أن المتكلم من قام به الكلام، وإن كان متكلمًا بقدرته ومشيئته، لا يعرف في لغتهم أن المتكلم من أحدث كلامًا منفصلًا عنه، ولا أن المتكلم من قام به الكلام بدون قدرته ومشيئته (حتى لا يكون تولد الكلمة بإرادة الأب دون الابن)
فليس لأحد إذا جعل اسم المتكلم لمن يحدث كلامًا بائنًا عنه أو من قام به بدون قدرته ومشيئته- أن يحمل كلام الأنبياء على هذا.
بل المتكلم عند الإطلاق من تكلم بقدرته ومشيئته مع قيام الكلام به.
قال سعيد بن البطريق: (ومثلما أن كلمة الإنسان المولودة من عقله تكتب في قرطاس، فهي في القرطاس كلها حقًّا، من غير أن تفارق العقل الذي منه ولدت ولا يفارقها العقل الذي ولدها؛ لأن العقل بالكلمة يعرف لأنها فيه، والكلمة كلها في العقل الذي ولدها، وكلها في نفسها، وكلها في القرطاس الذي التحمت به، فكذلك كلمة الله كلها في الأب الذي ولدت منه، وكلها في نفسها وفي الروح، وكلها في الناسوت التي حلت فيها والتحمت بها) .
فيقال: هذا التمثيل حجة عليكم وعلى فساد قولكم .. لا حجة لكم، وذلك يظهر بوجوه:
أحدها: أن يقال: إن كان حلول كلمة الله التي هي المسيح في الناسوت مثل كتابة الكلام في القرطاس- فحينئذ يكون المسيح من جنس سائر كلام الله، كالتوراة وزبور داود والإنجيل والقرآن وغير ذلك، فإن هذا كله كلام الله وهو مكتوب في القراطيس باتفاق أهل الملل؛ بل الخلق كلهم متفقون على أن كلام كل متكلم يكتب في القراطيس، وقد قال تعالى في القرآن: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ