فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 656

فيعالج الشوق الإنساني لرؤية الله بتقرير هذا الشوق ..

كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين ) ) [1] .

فبدأ الحديث بالتعريف بالله وصفاته «العلم والقدرة» ..

ثم طلب الوصول إلى الطبيعة الإنسانية الصحيحة: خشية الله في الغيب والشهادة، وقول الحق في الغضب والرضى، والاقتصاد في الفقر والغنى ..

النعيم الذي لا ينفد وهو العافية في البدن، وقرة العين التي لا تنقطع وهي اطمئنان القلب وقراره ..

وبوصول الإنسان إلى هذه الطبيعة الصحيحة .. يبلغ مقام المعرفة الصحيحة .. فيسأل الله لذة النظر إلى وجهه الكريم .. سبحانه وتعالى.

والتعرف على الله من خلال قضية الأسماء والصفات -قدر الطاقة- هو الذي يضمن أقصى درجات المعرفة الصحيحة بالله.

وفقدان الطبيعة الإنسانية الصحيحة هو الذي يعطل المعرفة الصحيحة بالله عز وجل وأسمائه وصفاته، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ*وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 179 - 181] [2] .

ولأنه لا يمكن للإنسان أن يرى الله في الدنيا .. {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ..

فقد جاءت العبادة الصحيحة الخاشعة لتغذي هذا الشعور وهذه اللهفة وهذا الشوق عند الإنسان لرؤية الله ..

فيبلغ العبد أقصى درجات إحساسه بالله من خلال مقام الإحسان، حتى يبلغ درجة (( كأنه يراه ) )كما قال رسول الله

(1) أخرجه أحمد (4/ 464) ، والنسائي (3/ 54، 55) ، والحاكم في المستدرك (1/ 705) جميعهم عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

(2) فالأمة التي خلقها الله تهدي للحق هي المقابل لمن ذرأهم الله لجهنم، وفي تحديد هذه الأمة، يقول ابن كثير: (قال رسول الله ?:(( إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل ) )، وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ?: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ) ) ، وفي رواية: (( حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) )، وفي رواية: (( وهم بالشام ) )).

والارتباط بين الأمة التي تهدي للحق وعيسى ابن مريم يدل على دلالة قضيته في تحديد التصور الصحيح عن الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت