لتكون النصرانية أخطر نماذج هذا الخلط الذي غرز فيه الشيطان إحساسًا شاذًّا بالارتياح لفكرة أن ينزل الله من السماء ليكون بيننا نحن البشر .. بل ويُضرَب ويُصلَب .. !
وقد تسللت هذه الفكرة إلى النصرانية من العقائد الوثنية، وتسللت معها فكرة أخرى -لا تقل خطورة عنها- وهي التحيز النفسي عند الإنسان لذاته، مما جعل للأوثان صورة إنسانية ثابتة .. نادرًا ما تخرج عنها صورة هذه الأوثان .. !
وهذه الفكرة هي إسقاط صورة الذات الإنسانية على المعبود؛ ليصبح الإنسان هو العابد وهو المعبود كذلك .. !
وارتكازا على الرغبة الفطرية عند الإنسان في رؤية الله .. وبالتحيز النفسي عند الإنسان لذاته .. أحدث الشيطان فكرة التجسُّد الإلهي في صورة إنسان، هذه الفكرة التي تسللت إلى المسيحية ثم امتدت وتعمقت؛ لتكون بدعة التجسد.
وارتكاز الشيطان على الطبيعة البشرية في الانحراف بالإنسان كان أول الأساليب التي مارسها إبليس لإضلال الإنسان، فارتكز مع آدم على حقيقة الرغبة في الخلود، عندما وسوس له ليأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [طه: 120] .
ولكن الخلط الشيطاني الذي بلغ بالإنسان هذا الحد .. كان قد سبقه فعلٌ آخر، هو تغييب التصور الشرعي الصحيح عن الله، المحقق للشعور الإنساني الصحيح بالله عز وجل.
لذا تعددت المداخل الشيطانية لتبرير بدعة التجسد عند النصارى، لكن أخطرها كان الادِّعاء بأن ظهور الله في صورة إنسان هو الذي سيحقق المعرفة الإنسانية الكاملة بالله، وكان هذا الادِّعاء أهم أسباب فتنة النصارى بادِّعاء التجسد [1] .
وقد نشأ هذا الادِّعاء من ضياع التصور الصحيح للعلاقة بين الله والإنسان؛ لذا كان من أهم أسباب تصحيح الشعور الإنساني بالله .. هو استرداد هذا التصور الغائب بكل عناصره.
وأول هذه العناصر هو أن التعريف بالله في التصور الإسلامي قائم باعتبار الطبيعة الإنسانية «الصحيحة» التي تتلقى نصوص هذا التعريف تلقيًا «صحيحًا» .. ابتداءً من إقرار هذه الحقائق النفسية.
(1) يقول صاحب اللاهوت النظامي: (من فوائد التجسد للبشر أن يكون لنا في ابن الله المتجسد مثال فريد لحياة البشرية الكاملة، وظهور اللاهوت بكمال صفاته على هيئة منظورة محسوسة اقتربت منا اقترابًا عجيبًا! جعلت مخاطبتنا لله وجهًا لوجه في الصلاة والاتحاد الروحي أمرًا ممكنًا) .