لقد حظيت الكعبة المشرفة - زادها الله شرفًا وتعظيمًا - بأعظم معاني التبجيل والتعظيم، منذ بداية التاريخ البشري فهي أول بيت وضع للناس، ووضع الله لها الجلالة والقداسة في قلوب الخلق، وأصبحت مثابة للناس وأمنًا على مر العصور والدهور.
ولما بعث الله خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عرف للبيت عظمته وحرمته، فزاده تشريفًا وجلالًا وعظمه حق التعظيم، وأعطاه حقه من الإجلال والمهابة فعظمه حق التعظيم، وطهره حق التطهير، وأبان لأمته أظهر البيان حرمته وقدسيته الأبدية منذ أول التاريخ إلى أن تقوم الساعة، فالكعبة المشرفة من أعظم الحرمات مكانة, وحرمها من أقدس الأماكن.
وقد جاءت النصوص في بيان تعظيم الكعبة بأساليب متعددة منها:
1 -أن الله سبحانه وتعالى حرم مكة منذ خلق السموات والأرض، وأعظم ما في مكة البيت الحرام، قال تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [1] ، وفي الصحيحين [2] عن ابن عباس قال قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط إلا من عرفها ولا يختلى خلاها) .
2 -أن الله جل ثناؤه جعل البيت الحرام ومكة تبعًا له حرمًا آمنًا لكل من قصده ولاذ به، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [3] . قال الشافعي رحمه الله: (يعني والله أعلم آمنًا من صار إليه، لا يتخطف اختطاف من حولهم) [4] . قال السيوطي: (آمنًا من العدوان أن يحمل فيه السلاحَ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون) [5] .
وذكّر أهل الحرم بما امتنَّ عليهم حتى في حال جاهليتهم فقال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [6] ، والواقع يشهد بذلك إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة.
وما ذلك إلا لأجل تعظيم الله عز وجل للكعبة وما حولها، وما جعله الله في قلوب الناس من التعظيم للبيت الحرام منذ القدم.
(1) سورة النمل آية (91) .
(2) صحيح البخاري، باب إثم الغادر للبر والفاجر رقم (3017) صحيح مسلم، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، رقم (1353) .
(3) سورة القصص آية (67) .
(4) أحكام القرآن للشافعي (1/ 120)
(5) الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (1/ 289) .
(6) سورة قريش.