الصفحة 4 من 44

لقد حظيت الكعبة المشرفة - زادها الله شرفًا وتعظيمًا - بأعظم معاني التبجيل والتعظيم، منذ بداية التاريخ البشري، وقد وضع الله لها الجلالة والقداسة في قلوب الخلق، وأصبحت مثابة للناس وأمنًا على مر العصور والدهور.

ولما جاء الاسلام زاد البيت تعظيما وإجلالًا، وأبان لإتباعه قدسيته وحرمته، فأضحت الكعبة المشرفة قبلة القلوب والأبدان.

ومن الأحكام الشرعية المتعلقة بتعظيم البيت الحرام: التوجه إليه في الصلاة، وتحري استقبال الكعبة المشرفة حيثما كان المسلم، كما قال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) [1] .

وصار هذا الاستقبال شعيرة من شعائر هذا الدين، وعبادة من أجل عبادات أهل الإسلام، تميزهم

عن سائر العالمين.

ولما كان جرم الكعبة صغيرًا ويجب استقبالها على كل مصلٍ أينما كان موقعه على هذه البسيطة، كان من الصعوبة بمكان إصابة عينها، وطبيعي أن تختلف محاريب المساجد في التوجه للكعبة المشرفة، ويختلف انحرافها في ذلك بين بين قليل وكثير، وقد وقع لغط في بعض البلاد حول هذا الانحراف الواقع في محاريب المساجد مما أدى اختلاف المصلين، وإيقاع الشك في صحة صلاتهم وتوجه مساجدهم، وبحثت الموضوع فلم أجد - بحسب ما وقفت عليه - بحثًا وافيًا فيه، فاستعنت بالله، وقمت ببحث المسألة، وبيان كلام العلماء في وجوب استقبال عينها أو جهتها والجمع بين القولين، ومعرفة مقدار الانحراف السائغ وغير السائغ، وبيان ذلك بالمقادير والدرجات الحديثة، كل ذلك مدعومًا بكلام الفقهاء والمختصين من علماء الهيئة، وكانت خطة البحث على النحو الآتي:

تمهيد: وفيه بيان أهمية الموضوع والباعث على كتابته.

المبحث الأول: فضل الكعبة وتعظيم جهتها: وفيه مطلبان:

المطلب الأول: تعريف الكعبة لغة واصطلاحًا.

المطلب الثاني: تعظيم الكعبة وجهتها.

المبحث الثاني: استقبال البعيد للكعبة المشرفة، وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: وجوب استقبال القبلة في الصلاة.

المطلب الثاني: مذهب القائلين بوجوب استقبال عين الكعبة.

المطلب الثالث: مذهب القائلين باستقبال الجهة.

(1) سورة البقرة آية (144) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت