فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 48

عليكم» [1] .

والنهي عن زخرفة المساجد والمبالغة فيها لأجل الفتنة بها عن المقصود من عمارتها، وهو عبادة الله بهذه الصلاة والذكر ... روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم ابن حذيفة، وائتوني بإنبجانية، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» [2] . والإنبجانية: كساء من صوف ليس له علم. فالمراد: أن الثوب لما أشغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن صلاته لما فيه من الأعلام أبعده عنه فما بالك بهذه المساجد التي تكون فيها كأنك بمتحف للخطوط والزخرفة والرسوم. والله المستعان. إن الخطب أشد والفتنة أكبر.

وذكر شيخ الإسلام في «الاقتضاء» عن سعيد بن منصور بسنده إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: «دخلت مع ابن عمر رضي الله عنهما مسجدًا بالجحفة، فنظر على شرفات فخرج إلى موضع فصلى فيه، ثم قال لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا -يعني: الشرفات- شبهتها بأنصاب الجاهلية، فمرَّ أن تكسر» [3] .

ولا شك أن زخرفة المساجد وتزويقها من التباهي بها والتفاخر، وهذا معدود من أشراط الساعة، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» . رواه النسائي وغيره [4] . وفي رواية لأحمد عنه: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . فهو على سبيل التحذير والتنبيه من عدم زخرفة المساجد والمباهاة بها، لكن نرى المباهاة بالمساجد واضحًا في هذه الأزمان.

ولا يفوتني الإشارة إلى الزخارف الكثير في سقف المسجد وجدره العلوية وأعمدته في العمارة الأخيرة من عمارة خادم الحرمين للمسجد النبوي، بل المسجد الحرام وما يكثر إطراؤه في وسائل الأعلام عنها، حتى عدَّها الكثير من المباهاة في بناء المسجدين، فلا بد من التنبه لهذا والنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين لتعينه على أهل العلم بالخصوص. والله أعلم. وصلى الله على عبده ورسوله محمد وسلم.

(1) ... «شرح السنة» 2/ 350.

(2) ... رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام رقم 556.

(3) ... «اقتضاء الصراط المستقيم» 1/ 344.

(4) ... النسائي في كتاب المساجد، باب المباهاة في المساجد 2/ 32. ورواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب بناء المساجد 1/ 123 رقم 449، وابن ماجه رقم 739، وصححه الألباني. وانظر «شرح السنة» 3/ 350، وانظر «فتح الباري» 1/ 642.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت