الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» متفق عليه [1] .
قال ابن تيمية: فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل.
ولما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه، وفي رواية أنه كان يفرج على وجهه خميصة فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا [2] . وهؤلاء النصارى إما مساجدهم فيها يدفنون قبور صالحيهم، أو يجعلون قبورهم معابد لهم على سبيل تعظيم والغلو فيهم.
وجاء في أبي داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد» . قال ابن عباس: لتزخرفنَّها كما زخرف اليهود والنصارى [3] .
والتشييد: بناؤه بالجص وزخرفته وتطور له.
وجاء في البخاري معلقًا، أن عمر بن الخطابرضي الله عنه أمر ببناء المسجد وقال: «أكنَّ الناس من المطر، وقال: إياك أن تُحمِّر أو تُصفِّر - (أي: الطلاء الملون؛ لما فيه من الزخرفة المنهي عنه والمشغلة عن العبادة) - فتفتن الناس» .
وقال أنس: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا» .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لتزخرفنا كما زخرفت اليهود والنصارى» [4] .
قال البغوي في معنى كلام ابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبدلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى المراءات بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزينها. قال أبو الدرداءرضي الله عنه: «إذا مليتم مصاحفكم، وزوقتكم مساجدكم، فالدمار
(1) ... رواه البخاري في أبواب المساجد، باب هل تنبش القبور .... 1/ 165، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البناء على القبور رقم 528.
(2) ... البخاري في الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما 1/ 468، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور رقمها 529.
(3) ... انظر سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد 1/ 122 رقم 148، وشرح السنة للبغوي 2/ 348 رقم 463.
(4) ... انظر البخاري، كتاب المساجد، باب بنيان المسجد 1/ 171، وذكر حديث ابن عمر في وصف بناء الرسول لمسجده وعمر وعثمان وقد سبق.