فهاهنا اختلاف في سبب الحديث ففي طريق البخاري ومسلم أنه حين بنى المسجد أكثروا عليه.
وفي الوجه الآخر لمسلم أنه: لما أراد عثمان بناء المسجد كره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته. أي على ما كان عليه بناء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبناء عمر. لكن حاول الحافظ ابن حجر الجمع بينهما بقوله: «ظهر بهذا أن قوله في حديث الباب (حين بنى) أي حين أراد أن يني» [1] .
وكان قد ذكر قبله ذلك قول ابن بطال وغيره وفيه « ... ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه كما سيأتي بعد قليل» [2] .
ثم ذكر قول البغوي في شرح السنة في سبب كره بعض الصحابة لعمارة عثمان فقال: «لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسيعه» [3] .
ونخلص من هذا أنه قد حصل شيء من الإنكار من بعض الصحابة في بناء عثمان رضي الله عنه للمسجد بالقصة التي هي الجس ونقشه الحجارة، وجعله لسقف المسجد خشب الساج وهو خشب يجلب من الهند، بدلًا من الجريد وسعف النخل.
وسبب الإنكار: هو تغير المسجد عن هيئته التي تركه عليها الرسول وصاحبيه، ولما ورد من النهي عن زخرفة المساجد والتباهي بها كما سيأتي شيء منه.
هذا وقد اتخذ الغوغائية الخوارج من هذه التوسعة ذريعة للمثلية وذمِّ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وأنَّى لهم ذلك! فهذه التوسعة بمشورة عثمان للصحابة رضي الله عنهم، واستدلالًا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل بناء المسجد، فهذه التوسعة محمدة لعثمان رضي الله عنه ومنقبة له.
ونعود إلى عمارة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد كانت من الجهات الثلاث القبلية -الجنوبية- الغربية والشمالية دون التعرض للجهة الشرقية أبدًا كتوسعة سلفه عمر رضي الله عنهما.
وجعل في المسجد كوة في المحراب [4] -الجهة القبلية- وجعل أعمدة المسجد الحجارة التي فيها أعمدة
(1) ... «الفتح» 1/ 648 عند الكلام على حديث البخاري: «من بنى مسجدا .... » .
(2) ... «الفتح» 1/ 644 عند الكلام على حديث ابن عمر في بناء الرسول وعمر وعثمان للمسجد وصفته.
(3) ... «الفتح» 1/ 648، وانظر شرح السنة 2/ 349 مع اختلاف في لفظ الفتح.
(4) ... لفظ المحراب المراد به شرعًا هو مكان العبادة كما في قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} ، ولم يعرف المحراب الذي هو نحو بناء داخل القبلة إلا في آخر القرن الأول وعليه فالمراد بالمحراب هنا جهة صلاة الإمام من القبلة. ويرى بعض العلماء أن المحراب مشروع من حيث كونه مصلحة مرسلة، ويرى آخرون بأنه مباح، ويذهب بعضهم إلى أنه بدعة، كما ذهب إليه السيوطي في رسالته «تحفة الأريب ببدعة المحاريب» .