وسلم ليراجعها علي ولم يرها شيئا وقال فردها إذا طهرت فليطلق أو يمسك قال ابن عمر وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن [1]
وجه الاستدلال من عدة وجوه:
الأول: قوله"ولم يرها شيئا"نص من كلام رسول الله بعدم احتساب الطلاق في الحيض بخلاف الروايات الأخرى
الرد: على فرض ثبوت هذه الرواية معناها لم يرها شيئا صحيحا جائزا أولم يرها شيئا لا يقدر على استدراكه، لأنه قد بين أنه يستدرك بالرجعة فتتأول هذه الرواية لتوافق الروايات التي فيها الاعتداد بالطلاق [2] .
الثاني: الحديث صحح الإسناد [3]
الرد: الأمر كما ذكر من صحح الحديث فإسناده متصل ورواته ثقات و ليس هذا كافيا للحكم بصحة الحديث فلابد أن يكون سالما من العلة و الشذوذ وهذا لم يتوفر [4]
(1) رواه الإمام الشافعي في اختلاف الحديث ص: 260 قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبدالعزيز والإمام أحمد (5499) حدثنا روح وأبو داود (2185) حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق [ (10960) ] قالوا حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر فذكره"ورواته ثقات"
(2) انظر: اختلاف الحديث ص: 261 و التمهيد (15/ 66) و معالم السنن (3/ 203) والحاوي (10/ 117)
(3) صحح إسناده ابن حزم في المحلى (10/ 166) و الصنعاني في سبل السلام (3/ 359) وقال ابن القيم في زاد المعاد (5/ 226) هذا إسناد في غاية الصحة، فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يخشى من تدليسه، فإذا قال: سمعت، أو حدثنى، زال محذور التدليس، وزالت العلة المتوهمة، ... فأما إذا صرح بالسماع، فقد زال الإشكال، وصح الحديث وقامت الحجة.
ولا نعلم في خبر أبى الزبير هذا ما يوجب رده، وإنما رده من رده استبعادا واعتقادا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة،
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (6/ 225) أبو الزبير غير مدفوع في الحفظ والعدالة وإنما يخشى من تدليسه فإذا قال سمعت أو حدثني زال ذلك وقد صرح هنا بالسماع.
وقال أحمد شاكر: أبو الزبير ثقة ثبت ولم يتكلم فيه إلا بأنه قد يروي بعض الأحاديث بالعنعنة من غير سماع فيخشى من تدليسه وليس الأمر كذلك هنا فإنه صرح بأنه سمعه من ابن عمر
وقال الألباني في الإرواء (7/ 129) أبو الزبير ثقة حجة وإنما يخشى منه العنعنة لأنه كان مدلسا وهنا صرح بالسماع فأمنا شبهة تدليسه وصح بذلك حديثه ...
(4) هذه الرواية شاذة لأمرين
الأول: روى أصحاب ابن عمر القصة من غير ذكر هذه الزيادة المخالفة للمروي عنهم وسيأتي ذكر رواياتهم
الثاني: رواه حجاج بن محمد المصيصي عند مسلم (14) (1471) و النسائي في الصغرى (3392) و أبو عاصم الضحاك بن مخلد عند مسلم (.) (1471) وسعيد بن سالم القداح و مسلم بن خالد عند الإمام الشافعي في الأم (5/ 180) عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع من غير ذكر"ولم يرها شيئا"و هذه الرواية أرجح لموافقتها رواية الجماعة عن ابن عمر
ورواه مسلم (0) (1471) عن محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع بمثل حديث حجاج وفيه بعض الزيادة. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (9/ 353) فأشار إلى هذه الزيادة ولعله طوى ذكرها عمدا. قال أبو عبدالرحمن وقد فعل ذلك رحمه الله في حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش (333) فترك ذكر زيادة"وتوضئي لكل صلاة"لأنها مدرجة قال بعد أن أخرج الحديث وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره. وروى مسلم أيضًا حديث عروة البارقي (1873) حدثنا إسحق بن إبراهيم وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان جميعا عن شبيب بن غرقدة عن عروة البارقي عن النبي صلى الله عليه وسلم"الخير معقوص بنواصي الخيل"ولم يذكر زيادة شراء الشاتين وهي في البخاري (3642) لأنها منقطعة.
فالظاهر أن الإمام مسلم يحذف ما لايراه صحيحا من الزيادات فحذف زيادة"ولم يرها شيئا"لشذوذها والله أعلم.
قال الشافعي في اختلاف الحديث ص: 261: نافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه وقد وافق نافعا غيره من أهل التثبيت في الحديث ... والقرآن يدل على أنها تحسب قال الله عز وجل الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان لم يخصص طلاقا دون طلاق وما وافق ظاهر كتاب الله من الحديث أولى أن يثبت.
و قال أبو داود روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وأبو الزبير ومنصور عن أبي وائل معناهم كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك وكذلك رواه محمد بن عبد الرحمن عن سالم عن ابن عمر وأما رواية الزهري عن سالم ونافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك وروي عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال ابن عبدالبر في التمهيد (15/ 65 ـ 66) قوله [يعني أبا الزبير] في هذا الحديث (ولم يرها شيئا) منكر عن ابن عمر لما ذكرنا عنه أنه اعتد بها ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد منهم وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بخلاف من هو أثبت منه ... وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به
وقال الخطابي في معالم السنن (3/ 203) حديث يونس بن جبير أثبت من هذا، وقال أبو داود جاءت الأحاديث كلها بخلاف ما رواه أبو الزبير، وقال أهل الحديث لم يرْو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (3/ 95) حديث يونس بن عبيد أثبت من هذا
و قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص: 91 ـ 92: هذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل: ابنه سالم، ومولاه نافع، وأنس، وابن سيرين، وطاووس، ويونس بن جبير، وعبد الله بن دينار، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهم. وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء، وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات، فلا يقبل تفرده، فإن في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة ... وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ... اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه ... فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا، فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه.
وقال الجصاص في أحكام القرآن (1/ 530) هذا غلط فقد رواه جماعة عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة.
و قال الماوري في الحاوي (10/ 117) "ولم يره شيئا"فضعيف لتفرد أبي الزبير به ومخالفة جميع الرواة فيه
وقال أبو زرعة العراقي في طرح التثريب (7/ 88) تمسك ابن حزم على أن الطلاق لم يقع برواية أبي الزبير وقال هذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات، وهو عجيب فقد تقدم عن أبي داود أنه قال الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير ... فكيف يتمسك برواية شاذة، ويترك الأحاديث الصحيحة التي هي مثل الشمس في الوضوح، وقوله إن هذه الرواية لا تحتمل التوجيهات مردود.