الصفحة 24 من 45

طالع (بتشر) كتاب (فرود) عن انجلترا أثناء انتظاره الغداء كل يوم. وترجم (لونجفلو) كتاب"الجحيم"لدانتي في فترة الدقائق العشر التي كان ينتظر فيها غليان قهوته كل يوم، ما زال مثابرًا على هذه الخطة عدة سنين إلى أن أنهى العمل!

إن كثيرًا من عظماء الرجال قد وضعوا أسّ شهرتهم في الدقائق الزهيدة التي يهملها ويحتقرها الآخرون ممن يتعجبون من إخفاقهم وعجزهم عن تحصيل ما حصله أولئك.

وإن الذي يدخر كل الدقائق المفردة وأنصاف الساعات والمناسبات غير المتوقعة الفسحات التي بين وقت وآخر والفترات التي تنقضي في انتظار أناس يتأخرون عن مواعيد مضروبة لهم، ويستغل كل هذه الأوقات ويستفيد منها ليأتي بنتائج باهرة يدهش لها الذين لم يفطنوا لهذا السر العظيم الشأن [1] .

قال ابن عقيل الحنبلي: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره .. وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على أكل الخبر لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها فيه، وقد ألف -رحمه الله- كتاب الفنون في ثلاثمائة مجلد، وقيل في ثمانمائة مجلد.

وقال تلميذه ابن الجوزي -رحمهما الله-: أعوذ بالله من صحبة البطالين، لقد رأيت كثيرًا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطيلون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني ويتخلله غيبة .. فلما رأيت ذلك صرت أدافع اللقاء بهم جهدي، فإذا غلبت قصرت الكلام لأتعجل الفراق، ثم أعددت أعمالًا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغًا، فجعلت للقائهم قطع الكاغد - أي: ورق الكتابة- وبري الأقلام وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي.

ترى كم سنكسب لو اتبعنا أسلوب ابن الجوزي رحمه الله؟!

(1) سبيلك إلى الشهرة والنجاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت