وكان سليم الرازي -رحمه الله- إذا كان يكتب فحفي عليه القلم فأخذ في بريه حرك شفتيه بالقراءة.
وكان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالع فيه. وكان داود الطائي يستفُّ الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبر قراءة خمسين آية.
وقال بعض السلف لأصحابه وقد كانوا عنده: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم. وكان ابن سُكينة يمنع الناس من التحدث في مجلسه بلغو أو غيبة أو مالا فائدة فيه، ولا يخرج من بيته إلا لحضور جمعة أو عيد أو جنازة، ولا يحضر دور أبناء الدنيا من هناء ولا عزاء. وكان إذا دخل عليه أصحابه يقول: لا تزيدوا على:"سلام عليكم"مسألة .. ! وكان ابن مالك، صاحب الألفية -رحمه الله- لا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ، وخرج يومًا مع أصحابه للفرجة بدمشق فلما بلغوا الموضع الذي أرادوه غفلوا عنه سويعة ثم طلبوه فلم يجدوه فبحثوا عنه فوجدوه منكبًا على أوراق.
إن ساعة تنتزع كل يوم من أوقات اللهو وتستعمل فيما يفيد تمكن كل امرئ ذي مقدرة عقلية عادية أن يتضلع في علم بتمامه ... وفي وسع أي شخص مطالعة عشرين صفحة بتمعن في ساعة من النهار، أي سبعة آلاف صفحة أو ثمانية عشر مجلدًا في السنة! وإن ساعة في النهار قد تجعل فرقًا كبيرًا بين حياة فارغة وحياة مفيدة. ويمكنها أن تصير من هو غير معروف شهيرًا ومن هو غير مفيد نافعًا. هذا ما تفعله الساعة الواحدة، فتأمل ما تفعله الساعتان .. بل الأربع، بل الست ساعات، وهذا معدل ما يبدده كثير من الناس يوميًا لإرضاء ميلهم الشديد إلى الهزل واللهو.
وكثيرًا ما تقال هذه العبارة (أو عبارات مشابهة لها) : لم يبق على ميعاد الطعام أو الصلاة إلا خمس أو عشر دقائق، فلا وقت لعمل شيء الآن.
والحقيقة أن أعمالًا عظيمة أتمها فتيان فقراء في فضلات زهيدة من الوقت قلما يكترث غيرهم لعمل شيء فيها. وإن الساعات نفسها التي تضيعها قد تضمن لك النجاح إذا أحسنت استخدامها.