صفحة 7، وهو يتحدث عن أبي البيض: (و أوذي في حياته وبعد موته في دينه وعرضه حتى من أقاربه وبعض الخونة من تلامذته الذي تتبع مساويه وعَوَراته، وسيلقى جزاء ذلك وافيا، فلْيطب نفسا بما اكتسب) فعجبت للأحقاد السوداء كيف تتنامى وتعيث فسادًا وضررًا في ضمائر من لا يخشى الله، وأنا على يقين من جزاء الله الوافر، وثوابه المتكاثر على ما قمت به من الذب عن دين الله وشرعه، والانتصار للحق والحقيقة بهدم الهياكل التي لا أساس لها وتعرية المبطلين، والكشف عن عورات ومساوئ الأفاكين، التي كانوا يجاهرون بها معلنين ولا يبالون، ويدعون إليها ليل نهار ولا يستحون، ولم أبحث عن الخفايا والأسرار، وإنما تتبعت الموبقات التي أزكمت الأنوف، وفرقت الصفوف، وهي واجب كل من عَرفها ولمس ضررها في الدين والدنيا، أما ما تضمنه كلام الكرفطي من التهديد الصوفي والإرهاب الفكري فتلك شنشنة أعرفها من أخزم، وهي مما ورثه هذا الشقي الهالك عن أسلافه الأولين الذين قالوا لنبيهم هود عليه السلام: ( .. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، قال: إني أُشْهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) ، وفي السيرة أن المشركين هددوا خالد بن الوليد رضي الله عنه لما ذهب لهدم صنم العزى، وقالوا: احذر الجنون احذر الجذام الخ، ولكن سيف الله مضى لعمله، ومن لنا الآن بمثل خالد ومن تبعه من أئمة الهدى كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب، يتوجهون إلى المزارات والقباب التي على الأضرحة التي بنيت محادة لله ورسوله فيسوونها بالأرض، ونشير هنا إلى مأثرة إيمانية لشيخنا الدكتور الهلالي رحمه الله التي أقدم عليها على مرأى ومسمع من (الوهابية) والتي لا يعرفها كثير من الناس، وهي اجتثاثه لما يسمى: بستان فاطمة بصحن المسجد النبوي الذي كان يشتمل على نخلة وأشجار، لاحظ شيخنا أن النساء يتمسحون بها ويأخذون من أغصانها للتبرك، وشكا ذلك إلى العلماء والمسؤولين فلم يجد أذنا صاغية، فعمد ليلا مع تلاميذه -و كان وقتها إماما بالحرم النبوي- واستأصلوا تلك الأشجار، وأخرجوا جذوعها إلى البقيع، وهكذا طُهِر الحرم الشريف من أسباب الشرك ووسائله، فرحمه الله وأجزل ثوابه [1] .
وبعد أن وقفت على صنيع الكرفطي خِفت على البقية الباقية من رسائل أبي البيض إليََّ، فأوعزت إلى أخي الأستاذ الفاضل بدر العمراني أن يسعى لطبعها، وأن يسميها: (الجواب المفيد، للسائل المستفيد) وهو الاسم الذي كان اقترحه عليَّ الشيخ أبو البيض عندما أجمعُ الرسائل حتى لا تضيع، وقد طبع الجزء وفيه من الفوائد والمساوئ ما لا تجده في سواه، وقد كنت كتبت مقدمة ضافية لتنشر مع الجزء، وفيها شرحت بعض مواقف الكرفطي إلا أن بدرا كَعَّ ولم ينشرها مع الأسف، وأحسب أنني ضمنتها أحد أجزاء (جراب السائح) ، ومنذ سنوات زارني بعض الإخوة من سلا ومراكش ودرسوا عليَّ (ملحة الإعراب) للحريري
(1) انظر الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة 161.