وعند النظر في هذه الأقوال والآراء نجدها مرفوضة لما يلي:
1.قياس عدد أهل الحل والعقد على عدد من تصح بهم الجمعة أو الشهود، أو النكاح أو غيرها غير مسلم به، لأنه قياس مع الفارق، ولا يصح انفراد عدد قليل بالبتِّ في أمر يهم الأمة كلها، اللهم إلا إذا قلَّ أفراد جماعة أهل الحل والعقد- وهذا بعيد حدوثه إن لم يكن مستحيل- فحينئذ تكون الضرورة هي الملجئة إلى القول بانعقاد الإمامة بالعدد القليل. (ولأنه ليس قول من قال: تنعقد باثنين بأولى من قول من قال: تنعقد بأربعة، ولا قول من قال: تنعقد بأربعة بأولى من قول: من قال: تنعقد بالجماعة.
2.أما الاحتجاج ببيعة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فلا يصح، لأن بيعة أبي بكر لم تنعقد ببيعة الخمسة الذين ذكروهم فقط، وإنما تمت بمبايعة كبار المهاجرين والأنصار كما جاء في حديث السقيفة، قال ابن تيمية عند قول الرافضي: إنهم يقولون: الإمام بعد رسول الله أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة قال: فيقال له:
(ليس هذا قول أئمة السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة إلى أن قال: ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - أي أبا بكر - وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة) .أ. هـ
3.وكذلك فعل عمر في حصر الخلافة في الستة الذين اختارهم، فنقول أولًا عمر إنما إختار من إختار لأن الصحابة أنفسهم الذين هم أهل الحل والعقد قد طلبوا منه أن يختار لهم، فهو مخول من الصحابة أنفسهم فاختياره راجع إلى طلبهم، ثانيًا هذا ليس حصرًا لعدد أهل الحل والعقد الذين يختارون ويعتبر برأيهم في الموافقة على الإختيار، وإنما لمن يُختار منهم، فهم جميعًا مرشحون للخلافة ويُختار أحدهم، قال ابن تيمية: (عثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم - أي بعض الستة - بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد) .
وقد ذكر ذلك الإمام أحمد أيضًا أي أن بيعة عثمان انعقدت بالإجماع. يدلّ على ذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بقي ثلاثًا لا تغتمض عينه بكثير نوم وهو يشاور كبار المهاجرين والأنصار يستشير الناس فيهما- أي عثمان وعلي- ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأخيارهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى ومجتمعين فلم يجد أحدًا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه.
4.أما الاستدلال على صحة بيعة الواحد بمبادرة عمر في بيعة أبي بكر ثم تبعه الصحابة ووافقوه على ذلك فلا يصح، لأن سبب إتباعهم له هو رضاهم بما ذهب إليه، لا أنه قد ألزمتهم مبايعته اتباعه، وإلا لو فرض أنه لم يبايع غير عمر لما ثبتت إمامة أبي بكر خصوصًا وهو القائل: (من بايع رجلًا من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايع تَغِرَّة أن يقتلا) أما كون عمر هو السابق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق، كما قال ابن تيمية.
5.أما الاستدلال على صحة بيعة الواحد بأن العباس قال لعلي بن أبي طالب بعد موت النبي: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ... إلخ فلا يصح لأمور منها:
أ- الحاجة إلى إثبات نسبة هذا القول إلى العباس رضي الله تعالى عنه وهذا متعذر، لأن القائل لم يذكر السند ولا حتى المصدر ولم أعثر أنا على سند له.
ب- ولو فرض صحته فإنه لم يتم ولم يفعله.
جـ - ولو فعله فلا يكون ذلك إلا تحبيبًا وتشجيعًا لغيره في المبايعة وهذا واضح من قوله: فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه، وتكون مبادرة منه لعلهم يتابعونه على ذلك.
6.وأما ما ذهب إليه جمهور الشافعية من انعقاد الإمامة بمن تيسر جمعهم من أهل الحل والعقد فهذا يعرف ضعفه إذا عرفت القول الراجح في المسألة وأدلته وهو سيأتي إن شاء الله قريبا أما قوله بالواحد إذا انحصر فيه أهل الحل والعقد فكما قال د. محمد رأفت عثمان: (لم يحصل في عصر من العصور انحصار الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحصل ذلك) . والنادر لا حكم له.
ومما يدل على ضعف هذه الآراء عمومًا ما سيأتي في القول الراجح وما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي أنه قال:"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"وقال عمر رضي الله عنه: ... (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا) .
المذهب الثالث: وهو الراجح من مذهب أهل السنة والجماعة:
ذهب أصحاب المذهب الثالث إلى الاعتدال في تحديد أهل الحل والعقد، فلم يشترطوا الإجماع كما قال أصحاب المذهب الأول، ولم يشترطوا عددًا معينًا كما قال أصحاب المذهب الثاني، وإنما اشترطوا جمهور أهل الحل والعقد والأغلبية الذين هم أهل الشوكة، والذين بمبايعتهم واختيارهم للإمام يحصل مقصود الإمامة وطبقًا لهذا الاتجاه لا يؤدي تخلف بعضهم إلى الطعن في صحة الاختيار، كما لا يؤدي موافقة القلة أن تعطي للخليفة السند الشرعي للسلطة، لأن تخلف القلة لا يؤثر في مقصود الولاية، وموافقة القلة ليس من شأنه أن يحققها، وإنما العبرة بموافقة الأغلبية (الجمهور) لأنه بموافقتهم يتحقق المقصود من السلطة العامة الممثلة في الخليفة.
وقال الماوردي: (قالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عامًا والتسليم لإمامته إجماعًا) وممن ذهب إلى هذا القول أبو يعلى في الأحكام السلطانية فقال: (أما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم(الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد عليه كلهم يقول هذا إمام) قال -أي أبو يعلى-: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم.
وبين ذلك أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في منهاج السنة النبوية عند قول الرافضي: إنهم يقولون: الإمام بعد رسول الله أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة قال: فيقال له (ليس هذا قول أئمة السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة) ومما يدل على أن من أهم مقومات الإمامة وجود الشوكة والمنعة لرعية الإمام قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به".
وقال -أي ابن تيمية (ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - أي أبا بكر- وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعته جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط)
وقال كذلك عن بيعة عثمان: (وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد .. فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إمامًا وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا .. )
قال عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت: (أمهلوا، فإن حدث بي حدث فليصل بالناس صهيب مولى بني جدعان ثلاث ليال، ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس، وأمراء الأجناد فأمِّروا أحدكم - للستة- فمن تأمر من غير مشورة فاضربوا عنقه) .
وقال ابن تيمية كذلك: (فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما، ولهذا قال أئمة السنّة؛ من صار له قدرة وسلطان يفعل بها مقصود الولاية فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة، إلاّ أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم ... )
وقال الجويني: (لا بد في الخلع-أي خلع الإمام عند الحاجة- والعقد-أي تولية الإمام- من اعتبار الشوكة) .
قال الصّاوي: (المختار من ذلك ما ذهب إليه أبو يعلي وابن تيمية ومن تابعهما، من انعقادها بجمهور أهل الحلّ والعقد الذين تدلّ بيعتهم على رضا جمهور المسلمين بهذه الإمامة، وهم في الوقت نفسه أصحاب الشوكة والغلبة التي لا تتمّ مقاصد الإمامة إلاّ بها، إذ لا يخفى أنّ في اشتراط الإجماع عنّات، وفي الاكتفاء بالواحد تفريط) .
فعلى هذا يجب توفر أمرين في البيعة الشرعية للإمام والخليفة هما:
1.موافقة جمهور أهل الحل والعقد عليها الذين تدل بيعتهم على رضا جمهور المسلمين كما جاء في البخاري أنَّ عمر رضي الله عنه قال: (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا) .
وقوله لأصحاب الشورى الستة (فمن تَأَمَّرَ منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه) رواه ابن سعد بسند صحيح كما قاله ابن حجر في الفتح في موضعين.
وروى المعرور بن سويد كذلك: سمعت عمر يقول: (من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه) .
2.كونهم هم أهل الشوكة والغلبة التي لا تتم مقاصد الإمامة إلا بهم. وهو مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم"إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به"متفق عليه.
وبعد هذا العرض نقول لو تأملنا الإعلان وعرضناه على ما سبق توضيحه لوجدناه يفتقد لكلا الأمرين الذين بهما تنعقد الإمامة:
فمن ناحية فهم -أي معلني الخلافة- لم يشاورا جمهور أهل الحل والعقد من الأمة بل لم يستشيروا غيرهم من أهل الحل والعقد من أمراء الجهاد الذين هم من أولى من يدخل في أهل الحل والعقد، سواءً في خراسان أو في باكستان أو في اليمن أو الصومال أو الجزائر أو نيجيريا أو القوقاز أو مالي أو تونس أو سيناء أو فلسطين وغيرهم من المجاهدين، فضلًا أن يكونوا استشاروا جمهور أهل الحل والعقد من الأمة، وليعلم أننا حينما نقول أهل الحل والعقد من الأمة لا نقصد به علماء الطواغيت أو العملاء للغرب وأذنابهم بشتى أنواعهم أو المنحرفين بشهوات أو بشبهات، وإنما نعني به من توفرت فيهم صفات أهل الحل والعقد التي ذكرها أهل العلم من عقيدة صحيحة وعلم وعدالة وعقل ورأي وحكمة وشوكة وغير ذلك، ونحسب أنه لا يخلو قطر من أقطار المسلمين منهم ولله الحمد، وخاصة ساحات الجهاد التي ذكرناها، فكم فيها من أمراء وعلماء ومشائخ وقادة لهم من العقيدة والعلم والرأي والشوكة في أماكنهم الشيء الكثير - منهم من هم معروفون مشهورون ومنهم غير ذلك، ولا يعني عدم شهرتهم هضم حقهم - ولهم من العمل في الجهاد والدفاع عن الأمة عشرات السنين جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فهم كما قلنا من أولى من يدخل في أهل الحل والعقد ولا أظن أنه يشك في ذلك عاقل منصف.
ومن ناحية أخرى فهم -أي معلني الخلافة- ليس لديهم من القدرة والشوكة ما يوفروا به الحماية للمسلمين ويخضعوا به من هو خارج الأجزاء المسيطرين عليها في العراق والشام مما يحصل به مقصود الخلافة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به"متفق عليه.