أو جرى على طريق الاستعارة بأن شَبَّه ما يصدر في ذلك المكان من الإرشاد والتشريع والعلم والموعظة والحكمة المنعشة للأرواح بما في رياض الجنة من الثمار والأزهار والأنهار ذات الإنعاش الخالد، فأطلق اسم المشبه به على المشبه.
وفي هذا إنباء بأن موضع الروضة مجلس رسول الله الذي كان فيه معظم إرشاده وتعليمه الناس.
الدليل الثاني: أنا نجد أحاديث كثيرة روتها عائشة _رضي الله عنها_ تتضمن ما دار بين رسول الله وبين سائليه، ولم نجد مثل ذلك لبقية أمهات المؤمنين؛ فعلمنا أن ذلك انفردت به عائشة؛ من أجل قرب بيتها من مجلس الرسول، وقد كان بيتها بقرب الروضة.
الدليل الثالث: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: =لقد رأيتني وإني لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله وحجرة عائشة؛ فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنونًا وما بي جنون، وما هو إلا الجوع+. [1]
مع ما رواه البخاري ومسلم من أن أبا هريرة قال: =يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإخوتي من الأنصار يشغلهم عملٌ في أموالهم، وكنت امرأً مسكينًا ألزم رسول الله على مِلْء بطني؛ فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون+. [2]
فينتج من ذلك أن مقام أبي هريرة كان في الروضة، وأن ملازمته رسول الله كانت في ذلك المقام، وأن الروضة هي مجلس رسول الله". [3] "
(1) _ الترمذي (2367) وقال: =حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه+.
(2) _ أخرجه البخاري (118 و 2223) ومسلم (2492) .
(3) _ انظر الهداية الإسلامية 10/ 586_587.