يجب علينا أن نعترف أننا نمشي في طريق قد درست، وعطلت معالمها، وغلب على التصورات ذاتية التأمل عندما كان الجهاد مجرد كلمة يتغنى بها شعرًا وعلى المنابر، هذا مع أن سبيل الجهاد لم يتوقف، لكنه كان على وجوه متعددة؛ فتارةً يقوم على معنى طرد المحتل -وهذا فيه قسمة مشتركة مع قتال الآخرين للمحتلين لبلادهم من غير المسلمين-، ومرة يكون لطائفة حملت الهمّ وتصدت للواجب دون بقية الناس، فاتهمت وقيل فيها، ولكن كان فقهها يقوم على حالة من الاختيار المبني على التقوى والفداء والانطلاق نحو الشهادة؛ ولكن ها نحن أمام جهاد له ضروراته، وانتشاره، ومعوقاته، تأتيه فتن لم تكن غائبة عن الجهاد فيما سبق، لكن تميزها اليوم بسبب انزلاق الجموع وراءها، وارتفاع صوتها، ومنافستها لجهاد السنة والتقوى والصلاح، حتى كادت لولا لطف الله تعالى أن تجتثه وتزيله، وهذا اللطف جاء بصور متعددة أهم ما فيه وقوف رجال صدق أمامه، يتحدون شره وفساده وتهديده، وكان من هؤلاء هو الشيخ الشاب الدكتور عبد الله المحيسني، وهو وإن أصابه الثلمات من قراع الكتائب؛ إلا أنه أصابه كذلك نصيب من قول الله لحبيبه: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، وهذا أمر وإن أورث فرحًا؛ لكنه في نفس التقي يجب أن يورث خوفًا شديدًا مخافة الزوال والانقلاب، ذاك بأن الارتفاع يزيد العاقل خوف السقوط وشدة الامتحان.
هذا أمر رأيت من الواجب أن أقوله للشيخ الشاب عبد الله المحيسني، فأهنئه وأخوفه، ذلك لأنه من واجب النصح الذي أمرنا به رسولنا -صلى الله عليه وسلم- لأئمتنا، والشيخ اليوم من هؤلاء، زاده الله رفعة وطاعة، وجنبه المزالق والفتن.
لعل الشيخ عندي -وأرجو أن يكون هو في نفس الأمر كذلك- أصدق من أستفتيه عن أمور الوقائع التي يشهدها، ووالله ما سألته عن أمر إلا وكان صادقًا فيما أخبر وقدر وروى؛ يعدل في التقدير، ويتحرى في الرواية والخبر، فجزاه الله خيرا، والشيخ شاب، فهو بين أمرين في باب ما هو فيه من الجهاد؛ إما الشهادة وإما أن يعمر، وكلاهما يوجبان عليه التحري والتقوى والخوف، ولست أخاف عليه إن رحل لمولاه شهيدًا، لكني أخاف عليه إن عمر وعاش طويلا؛ فلهذا الظرف من الضرائب ما لا أستطيع أن أفصل فيه، لأني إن