بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.
الحمد لله رب العالمين حمدًا يليق بجلال عظمته وكرمه، وبحكمة أقداره وشرعه وأحكامه، والصلاة والسلام على خير الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين، وعلى صحبه الغر الميامين أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله منهم آمين.
أما بعد؛
فالله تعالى له الحكمة البالغة في الأقدار، يراها الناس على وجه في إقبالها، فيكرهون، ثم تبين بعد عن خير عظيم، وكما قال ربنا تعالى عن خروج الحبيب المصطفى إلى بدر: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُون} ، وفي علم الله وقدره أن يكون هذا الخروج فتحًا عظيما سماه الله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} ، وجعل أهله خير جماعة في الأرض في أزمانهم وغير أزمانهم، فهذا خير -سيقوا إليه على كراهة- كان فيه أعظم ما يحب المؤمن ويرضاه.
وهكذا لربنا الأقدار الحكيمة، وهي كلها تجري لأمر واحد تجتمع فيه، وهو رفعة الحق والدين وخسار الكفر والضلال والفساد. ومما يدخل في هذا المعنى كشف ربنا للحق والهدى -رجالًا وطوائف وعقائد-، لم يكن لهذا كله أن يقوم لولا المحن والفتن والابتلاءات؛ فهذا قدر لازم لهذا السبيل، به تمتحن معاني الوجود، ومن خلال ذلك يبقى الحق ويدوم، ويخسر الباطل ويزول، ومن سنة الله أن تكون هذه المعركة وهذا البلاء جارية على قدوم الباطل عاليًا قويًّا، ثم يؤول إلى خسار، وأما الحق فيبدأ ضعيفا لكنه ثابت يدوم، فيبدأ بالنمو والارتقاء، حتى يستوي على سوقه، فيعلم الخلق بهذه السنة ما جهلوه من قبل. وما من سوق قام للإيمان إلا وكان فيه البلاء على نحو ما، وفي داخله، وذلك خلاف البلاء من أعدائه، بل هو بلاء في داخله ليصفو الصف، وتمتحن الإرادات، ويجلو العلم، وهذا هو سبيل الجهاد في هذا الزمان.