وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، فكان حدث القوم من أصحاب الأخدود في جنوب الجزيرة العربية، وفي نجران خصوصًا أن كانوا على دين ملوكهم، فخرج غلام مؤمن على دين عيسى -عليه السلام-، فكان له أحداث في بلاده مع ملكه الطاغوت، وأكرمه الله بآية آمن له قومه، فحاول الطاغوت أن يردهم عن دينهم فلم يستطع، فما كان منه إلا أن خدّ الأخاديد، وأشعل النار فيها، وأدخل مجتمعًا بكل فئاته العمرية وأجناسه، أطفالًا وشيوخًا، نساءً ورجالًا في تلك النار، ولم يتراجع أحد عن دينه ومبدأه، فوضْع السيف في النار ثم وضعه على الجسم؛ أهون من إدخال الجسم كله في النار، وهكذا كان القصص القرآني يعالج ويربي صفة الصبر عند المؤمنين، حتى يصغر بصبرهم كل بلاء.
ويستفاد مما ذكر:
أولًا: أن لكل إنسان ميزان نفسي، يزن به نفسه ومبادئه، فمنهم مَن نفسه أعظم عنده من ما يحمل من دين ومبدأ، وهذا كثير في الواقع، وآخرون دينهم ومبدؤهم أعظم عندهم من أنفسهم وأهاليهم، وهم قليل، وإن كانت دوافعه الإرشادية الدالة عليه كثيرة، ولكن تحتاج إلى توفيق من الله لها، ورجاء هذا التوفيق قائم على الصدق مع الله في الطلب، كما جاء عنه صلى الله وعليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أَنَّهُ قَالَ:"... يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ..."الحديث.
ثانيًا: إن من بركة الإيمان بالله؛ فقه القرآن، وما فيه من قصص منهجية في كل مجالات الحياة البشرية، وكلما كمل الإيمان في القلب؛ زاد حب تلاوة القرآن والنظر فيه {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
ثالثًا: إن القرآن يقرر لنا مسألة مهمة في فقه التضحية من أجل الدين؛ وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى بأقل من النفس والمال أن تقدم لإزالة الشرك وإقامة الدين، وهذه مسألة واضحة جلية، قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] ، فلم يجعل الله وسيلة لإقامة الدين سوى بذل الأرواح بالقتال في قوله سبحانه {وَقَاتِلُوهُمْ} ، وقد بين لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم هذه المسألة أكمل بيان، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله" [رواه البخاري] ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"بعثت بالسيف بين يدي الساعة؛ ليعبد الله عز وجل وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالفني، ومن تشبه بقوم فهو منهم" [رواه أحمد] ، ولذلك لم يعقد بيع وشراء بين الخالق سبحانه وخلقه أن يشتري منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة إلّا بالجهاد في سبيله وإعلاء كلمته سبحانه، قال تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ