-أمّا النّوع الثّانيّ؛ وهم المزاجيّة إلى الشّر أقرب، فهؤلاء لا ينفع معهم تذكير ولن تستطيع كسبهم بحسن الخلق والتعامل، فهم يرون حسن الخلق ضعف، ونفوسهم مجبولة على العناد، والعمل برأيه وما يراه هو، وشرّه وأذاه متعدي على إخوانه بسوء أخلاقه، وبذاءة لسانه، وتطاوله على إخوانه من أمراء وقادة.
وعادة لا تكون المشاكل في الجبهات والفرقة في الجماعات إلا بأمثال هؤلاء، وهم وقود كلّ فتنة، ولا تخلو منهم جبهة، وهذا الصّنف لا يصلح في دخول التّنظيمات، إنما يصلح في الجبهات المفتوحة التي يختلط فيها النّاس، ولا يخرج من الخطّ الأوّل في الجبهة حتّى يقلّ شرّه ولن ينتهي، وهؤلاء النّاس خطرهم على التّنظيمات الجهاديّة كبير جدًّا، وهم أقرب إلى النكوص عن الجهاد، وأكثرهم متطفّلون يحبّ أن يعرف كثيرًا من أمور الجهاد وكثيرًا من المعلومات، وضرره على الجماعة المقاتلة أكثر من نفعه.
فهذه أصناف النّاس في الجهاد، وليعرف كلّ منّا نفسه، وليختر كلّ واحد منَّا أحب صنف إليه.
وقد بيّن الرّسول صلّى الله عليه وسلم أنّ:"الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشّريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كلّه، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف"رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
فهذه الخصال التي ذكرها الرسول صلّى الله عليه وسلم في الغزو الذي يحبه الله ويقبله سبحانه.
ومعنى:
-ابتغى وجه الله: أي طلب رضاه وأخلص نيّته.
-وأطاع الأمير: أي في غير معصيةٍ ما لم تكن ضرورة تبيح المحظور؛ كطلب حلق اللّحية أو إسبال الثّياب وغيرها من الأمور التي تُقدَّر بقدرها ونوازلها، ويكون للأمير حق الاجتهاد فيها [1] .
-وأنفق الكريمة: أي النفيسة الجيّدة من كلّ شيء خاص به فينفقه في سبيل الله، ولا يتعلّق قلبه في شيء من الدنيا، فإن الله قد وعده بخير منها جنّة عرضها السّماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا من باب التربية العظيمة للنفس، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق، وقد قال سبحانه وتعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} .
-وياسر الشّريك: أي من المياسرة بمعنى المساهلة؛ أي ساهل الرفيق وعامله باليسر، فأصل الجهاد هو الجهد والمشقة، فلا يحتاج الزيادة بين المجاهدين بأن يشقّوا على بعضهم بعضًا، وقد بيَّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله:"اللهم من ولي من أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فشقّ عليه"رواه أحمد في المسند.
(1) ويحتاج هذا إلى الاستزادة في الإيضاح فيُرجع إلى كتبه ومصادره.