ويختلف النّاس فيها؛ فمنهم القائد التّقي وهم كُثُر بفضل الله، ومنهم دون ذلك، وقد يكون رجل فيه صفات القيادة وليس عنده كثير التزام، وقد يكون فيه شيء من ارتكاب المعاصي والأمراض المستقبحة، كحبّ الظّهور والتّسميع بما يعمل والخلاف للبروز من بين من معه.
وهذا الصّنف موجود ولكنّه قليل، فإن عُزل من القيادة حقد وفسد، وإن تُرك أفسد حاله وأشكل غيره، وعلاجه العلم والإيمان.
-الصّنف الثاني: وهو البدل:
وهذا الصّنف هو أندر الموجود في الثغور؛ لما له من شخصيّة كبيرة ذات قدرات عالية جدًّا في استيعاب كل أعمال الجهاد، وهي بدل لكلّ أحد فإن غاب الأمير فهو أمير، وإن غاب الحارس فهو الحارس، وإن غاب القائد الميدانيّ كان هو وإن غاب ... ، فتجده في كل عمل قائم.
وهذه الشخصيّة هي الشخصيّة المحبوبة بين كلّ المجاهدين سواءً القيادة أو الجند، وهي الشخصيّة الفعّالة في الربط بين الجند والقيادة، ونادرًا هذه الشخصية ما تتأثر بالحظوظ النفسية، حيث أنها محترمة ومقدرة من كل أحد، ومنشغلة بأمور الجهاد كلّه، فهو القائد والجندي.
وللوصول إلى هذه الشخصيّة لا بد أن يكون المسلم المجاهد يتوفر فيه أمور منها: تقوى الله في كل الأحوال، والصّدق في حمل الجهاد فكرًا ومنهجًا، وكثرة الاطّلاع على أمور الإسلام والمسلمين، وحاجة الجهاد والمجاهدين، وكثرة المطالعة والقراءة في شؤون الجهاد، وتربية النّفس على القليل في كلّ شؤون الحياة، وعدم المبالاة بها، وتربيتها على حبّ الناس، وحمل همّ النّصح والمساعدة بالمقدور عليه في قضاء حوائج الناس، والصّبر على حسن الخلق عند الضّيق والتّعب؛ فقد تحسن الأخلاق والنّفس مرتاحة وتخرب والنّفس متعبة.
-الصّنف الثالث: وهم العُبّاد:
وهؤلاء هم مصابيح الجهاد، وهم قليل ولكن ليس كقلة من قبلهم، فتجد هؤلاء يقودهم إيمانهم، ففي النّهار أسد الوغى في المعارك، وخدم لإخوانهم في الرباط، ورهبان في اللّيل، يقضون جلّ أوقاتهم مع كتاب ربهم، وهؤلاء يتحملون من إخوانهم ما لا يتحمله غيرهم، وخاصة إذا فقدوا جوّ الإيمان الذي يحبونه ولا يستطيعون الخروج منه، فتراهم يتضايقون من جليس لا يذكّرهم بالله، أو جليس يكثر المزح معهم، ولذلك تجد خلواتهم إما على ملابس إخوانهم يغسلونها أو على صحون الطعام ينظفونها.
ولهؤلاء الناس تعامل خاص من قِبل الأمراء، فبهم بإذن الله ينتصر الجيش، وهذه الشّخصيّة تحتاج إلى توفيقٍ من الله سبحانه، ومجاهدة النّفس حتى تصل إلى قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .